بكين
في مشهد غير مألوف يعكس تسارع التطور التكنولوجي في الصين، شهدت العاصمة بكين أول سباق نصف ماراثوني مخصص للروبوتات الشبيهة بالبشر، بمشاركة نحو عشرين فريقاً من مختلف أنحاء البلاد، ورافقهم رياضيون من البشر في أجواء احتفالية جمعت بين الابتكار والتشويق.
وأقيم السباق في منطقة “إي تاون”، التي تُعد مركزاً رئيسياً للابتكار التكنولوجي في بكين، وتم تخصيص مسار بطول 21 كيلومتراً لاختبار قدرة هذه الروبوتات على محاكاة النشاطات البشرية في بيئة واقعية. ومع إعطاء إشارة الانطلاق، انطلقت الروبوتات على وقع موسيقى البوب، لتخوض تحديات فريدة مثل الحفاظ على التوازن، التغلب على العقبات، والاستمرار في السير رغم التعب أو الأعطال التقنية.
واللافت أن بعض الروبوتات تمكنت من النهوض بعد سقوطها دون تدخل بشري، بينما تعرض البعض الآخر لمواقف محرجة مثل الاصطدام بالحواجز أو الخروج عن المسار، مما أضفى طابعاً درامياً على التجربة. ورغم ذلك، أكدت الفرق الهندسية أن الهدف الأساسي لم يكن الفوز، بل التحقق من قدرة هذه الروبوتات على اجتياز المسار الطويل، واختبار كفاءة المحركات، ومتانة الهيكل، ودقة الخوارزميات.
اقرأ أيضاً: روبوتات تتدرّب كالبشر… الصين تطلق أكبر مركز تأهيل ذكي في العالم – 963+
وقال ليانغ ليانغ، نائب مدير لجنة الإدارة في منطقة إي تاون، في تصريحات لوكالة “فرانس برس”، إن “الركض على مسار طويل يبدو أمراً بسيطاً للإنسان، لكنه يمثل تحدياً هائلاً للروبوتات بهيئة بشرية، ما يجعل من هذا السباق خطوة متقدمة في مسيرة تطوير هذه التكنولوجيا”.
وقد تفاوتت أحجام الروبوتات المشاركة بين 75 إلى 180 سنتيمتراً، وبلغ وزن بعضها نحو 88 كيلوغراماً. كما تنوّعت تقنيات التشغيل بين الروبوتات ذاتية التحكم وتلك التي يتم توجيهها عن بُعد. وأكد مهندسون مشاركون أن التجربة تعتبر بمثابة اختبار قاسٍ لأنظمة الطاقة والبطاريات، حيث كان أحد الروبوتات يتدرب يومياً على قطع نفس المسافة بسرعة تفوق 8 كيلومترات في الساعة.
ومن جهته، قال كوي وينهاو، المهندس في شركة “نوتيكس روبوتيكس”، إن “السباق يمثل تحدياً غير مسبوق للقطاع، الذي يندر أن تتاح له فرصة اختبار الروبوتات تحت هذا النوع من الضغط ولفترة طويلة”، معتبراً أن ذلك سيسهم في تسريع وتيرة تطوير الأداء الميداني لهذه الأجهزة.
وأما كونغ ييتشانغ، مهندس بشركة “درويد آب”، فرأى أن السباق لا يقتصر على عرض عضلات تكنولوجية، بل هو تمهيد لدمج الروبوتات البشرية في الحياة اليومية، قائلاً: “نحن نؤسس لفكرة أن هذه الروبوتات يمكن أن تقوم بمهام حقيقية داخل المجتمع، كالمساعدة في الرعاية الصحية أو الخدمات اللوجستية”.
وتأتي هذه الخطوة في إطار الطموحات الصينية لتصدّر مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات على المستوى العالمي، لا سيما في ظل التنافس التكنولوجي المحموم مع الولايات المتحدة. وتحرص الشركات الصينية، وخاصة الناشئة منها، على إثبات قدرتها على الابتكار بتكاليف أقل وكفاءة أعلى. وكانت شركة “ديبسيك” الصينية قد أثارت اهتماماً كبيراً في يناير الماضي بعدما أعلنت عن تطوير روبوت محادثة مدعوم بالذكاء الاصطناعي بتكلفة أقل من نظيريه الأميركيين مثل “تشات جي بي تي”.
ويمثل هذا السباق غير التقليدي مثالاً حياً على أن الروبوتات الشبيهة بالبشر لم تعد مجرد مشاريع بحثية في المختبرات، بل بدأت تخطو فعلياً نحو أدوار ملموسة في المجتمع. خطوة قد لا تكون سوى البداية لعصر جديد من التعايش بين الإنسان والآلة، تقوده الصين على طريق الريادة التكنولوجية العالمية.










