بعد شهور من استلامهم لسلطة حكم البلاد، لم يصدر عن حكام سوريا الجدد أي شعار/خطاب إرشادي، يُستدل منه على نوعية السياسيات الاستراتيجية والخيارات الاقتصادية والنزعات الإيديولوجية التي سيتخذونها. يُمكن استثناء ما قاله وزير خارجية هذه السلطة أسعد الشيباني أثناء مؤتمر دافوس الأخير “سنستلهم تجربة سنغافورة”!.
عبارة وزير خارجية النظام الجديد، والذي تعتبره الكثير من الأوساط “عقل النظام”، التي جاءت مقتضبة ومغلقة و”تقول كل شيء”، وعادة ما تميل العبارات التي “تقول كل شيء” لأن تكون عبارات خالية من أي شيء، وغير قادرة أن تفعل أي شيء.
فالبلد الذي شهد مأساة مريرة طوال ثلاثة أرباع قرن، تأتت وتراكمت بسبب الاستبداد السياسي، الذي كان بدوره قائماً على ترسانة من الشعارات الاقتصادية، البراقة والمقتضبة والمغلقة، مثل التي أطلقها وزير الخارجية، ودون أي مضمون سياسي لها، لا يمكن له أن يتحمل ويقبل المزيد منها، إلا إذا كان لمطلقيها مرامي أبعد بكثير، مثل التي كانت للنظام السابق.
نقاش إمكانية تحقيق سوريا للشرط السنغافوري ليس مهماً، وهي حتماً غير قادرة، بسبب الفروق الهائلة بين النموذجين، حيث سنغافورة واحدة من “دول الاستثناء”، إلى جانب نماذج أخرى، مثل هونكونغ واللوكسمبورغ ودبي، كدول صغيرة للغاية، بين كتل جغرافية ضخمة جداً محيطة بها، تقوم هذه الدول الصغيرة بتأمين بيئة آمنة وحركية سلسة لرساميل هذه البلدان المحيطة بها، بفضل ما تمتاز به من أمان وأنظمة مصرفية وخدمات حديثة، فتحقق تنمية انفجارية داخلها. بل الأهم هو مناقشة المضمون السياسي الذي يحاول النظام الجديد ترسيخه، وتأكيده عبر هذا الشعار.
فتمركز السلطة حول شعار وحيد، وهذا الوحيد مفتقد لأي مضمون سياسي أو إيديولوجي، وفي بلد غارق في كل أشكال المأساة الإنسانية، يعني ببساطة أمرين مركبين: استعداد هذه السلطة لتأسيس نظام ذا بنية شمولية، يشغل الحاكمون راهناً فيه النواة الصلبة الحاكمة، دون شراكة حقيقة مع أية بيئة سياسية أو اجتماعية وطنية أخرى، بل قامعين لها غالباً.
الأمر الآخر الذي يرسمه هذا السياق هو فقدان ملايين السوريين لحقهم في “العدالة”. لأن “القضية السورية”، إن جاز التعبير، ومنذ اندلاعها في أواسط القرن المنصرم، ليست اقتصادية قط، بل سياسية وجودية، متمركزة حول حرمان ملايين البشر من حقهم في الحضور والتعبير والتجمهر والتمثيل في بنية السلطة الحاكمة، حقهم وقدرتهم على التمتع بالحرية والأمان المستدام. هذا الحرمان الذي فجر براكين العذابات السورية الأخرى كلها، التي كانت فقط مفرزات ذلك الحرمان، ومنها تكونت المسألة السورية بالتراكم المديد.
بوضوح، يُظهر الأمر نزعة الحكام الجدد. فحينما لا تكون أية سلطة حاكمة قادرة خلق وتوفير مختلف المتطلبات المادية والرمزية والروحية والحياتية لمجتمعاتها، تلجئ عادة لتشييد “بنية عصبية” للسلطة، لتستعيض بها عن سوء تعبيرها وتمثيلها للمتن الاجتماعي ذاك وتطلعاته.
كانت الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا طوال نص قرن مضى مثالاً بارزاً عن ذلك. فمع تراكم أنواع فشلهم في تحقيق أشكال العدالة العامة، بالذات منها عادلة وحق البنى المجتمعية في الحريات العامة والتمثيل في أجهزة ومؤسسات السلطة، كانت هذه السلطات تذهب بعيداً للاستعانة بالعائلة والعشيرة والمنطقة والطائفة والقومية، لتشكل كتلة صلبة ومؤتمنة، ترد بها كل الضغوط التي تُمارس عليها من جبهة المحرومين من تلك العدالة.
بجلاء، يبدو أن الحكام الجدد لسوريا يعرفون جيداً انتفاء قدرة تلك الأشكال من العصبية التقليدية على تلبية حاجاتها، بسبب تفكك طاقة تلك العصبيات وعدم قدرتها على التحشيد، وإلى جانبها تجربة الشعب السوري المديدة والمريرة معها، فلجئوا إلى عصبية من نوع جديد.
تقوم هذ العصبية الجديدة على ثلاثية الإغراء بأن التنمية الاقتصادية الانفجارية قادمة، وتالياً تفكيك أية دعوات أو ميول لتحقيق أية مطالب سياسية أو قضائية. المسار الآخر هو تجميع كمية من أصحاب المال الجدد، ليكونوا “القطط السمان” في بنية النظام الجديد، وتالياً لأن يكون عضدها وجوهرها الحامي، عبر ما سوف يشكلونها من شبكات زبائنية مع الطبقات الاجتماعية، وبذا يكونون عصبية النظام وأهله المؤتمنون. مع الأمرين، يؤمن لهم “الاستلهام السنغافوري” راحة بال مديدة، لأنهم سيقولون طويلاً للمجتمع السوري “ما يزال الطريق طويلاً”، مثلما قالت الحقبة البعثية طويلاً بشأن التصدي والصمود.
في تسعينات القرن المنصرم، وبعدما فقدت الأسدية الحاكمة كل طاقتها الإيديولوجية، حيث لم تحقق أي من شعاراتها وبرامجها ووعودها التي أطلقتها منذ أوائل حكمها، ظهرت “مأساة” مقتل نجل مؤسس النظام “باسل الأسد” كنجاة للنظام. إذ غطت صور الباسل وحصانه الحياة العامة في البلاد، صارت مركزاً للنقاش والفضاء الرمزي وانشغال السلطة وجوهر دعايتها. طوال عقد كامل، كانت صور حصان باسل تغطي كل المؤسسات والفضاءات العامة، صار واحداً من المقدسات التي لا يُمكن مسها، وأداة للتعبير عن التقرب من السلطة.
كانت السلطة الحاكمة قد أغرقت شعباً كاملاً في حصان، أو صورة حصان بتعبير أدق، وكان ذلك التفصيل الصغير يقول كل شيء عن أحوال البلاد، وناسه.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 24 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: العدد الثامن من صحيفة 963+ – 963+










