بعد حرب “إسناد غزة” التي دفع “حزب الله” ثمنها باهظاً، التحوّلات اللبنانية غير مسبوقة، تفتح الباب واسعاً أمام إعادة النظر في ملف نزع سلاح الحزب، وصوغ استراتيجية دفاعية بجناحين: حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية المتمثلة في الجيش اللبناني، والاحتكام إلى المجتمع الدولي لحماية لبنان من أي أطماع إسرائيلية.
أحدث اغتيال حسن نصر الله، أمين عام “حزب الله” في أيلول/سبتمبر 2024 شرخاً في الهيكل القيادي للحزب، الذي كان يعتمد بشكل شبه كلي على شخصية الزعيم التاريخي.
ويتفق الجميع على أن هذا الاغتيال أضعف الحزب، وأضرّ بواجهة إيران العربية ما دفع طهران إلى إعادة تقييم أدواتها الإقليمية. كذلك، أفسح هذا الاغتيال، والتقهقر العسكري الذي رافقه، في المجال أمام انتخاب جوزيف عون رئيساً للبنان في كانون الثاني/يناير 2025، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام الذي عارض الحزب تكليفه سابقاً.
وتُظهر الحكومة الجديدة ميلاً واضحاً نحو تبني أجندة إصلاحية تدعمها دول عربية في مقدمتها السعودية، وغربية في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، مع التركيز على تفعيل القرار الدولي 1701 الذي ينص على نزع سلاح “حزب الله” في كل لبنان.
اقرأ أيضاً: سوريا – لبنان: التداخل الطائفي والأمني وعامل “حزب الله” المفجر – 963+
فرصة متاحة
إقليمياً، قلّص سقوط نظام الأسد في سوريا قدرات إيران على دعم “حزب الله” لوجستياً، بينما كشفت المفاوضات الأميركية – الإيرانية في عُمان عن توجه طهران نحو “إدارة المخاطر” بدلاً من التصعيد المفتوح.
ووفقاً لتصريحات المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، ترى واشنطن في نزع سلاح الحزب “جزءاً لا يتجزأ من سياسة الضغط الأقصى على إيران”، ما يضع الحزب أمام خيارين: التفاوض من موقع الضعف، أو التمسك بالسلاح ضمانةً وجودية تجلب الدمار على لبنان.
داخلياً، الفرصة السياسية متاحة، لكن المعوقات موجودة. فالحزب لن يتخلى عن سلاحه بسهولة، خصوصاً بعدما وجه اتهامات لجماعات مناوئة له سياسياً بأنها ترمي إلى إقصاء الطائفة الشيعية من الحكم، بذريعة يصفها الحزب بأنها “واهية”، وهي انهزام الحزب أمام الآلة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
لكن، هل هي واهية فعلاً؟ فالسؤال الحقيقي هو: “هل يمكن التصديق أن سلاح الحزب يحمي لبنان من إسرائيل، ما دام لم يستطع حماية نفسه وقادته، وفي مقدمهم نصرالله نفسه؟”.
وإن كان العجز ظاهراً وملياً، فلم المكابرة إذاً، والإصرار على انتهاك الاتفاق 1701، وجرّ البلاد إلى ويلات إضافية بعد الخسائر الفادحة في الحرب الأخيرة، التي أودت بحياة نحو 2450 من عناصره، غير الجرحى الذين وصل عددهم في عملية “تفجيرات البَيجرز” وحدها إلى نحو 4000 جريح؟
اقرأ أيضاً: عشرة قتلى في المواجهات بين إدارة العمليات العسكرية و”حزب الله” – 963+
ثلاثة سيناريوهات
إن هذه المسألة شائكة، لا ريب في ذلك، وهي مفتوحة على سيناريوهات مختلفة، أولها المفاوضة، فقد تدفع الضغوط الاقتصادية – خصوصاً أن تكلفة إعادة إعمار ما هدمته حرب تسبب بها “حزب الله” نفسه تصل إلى نحو 3 مليارات دولار للقطاع السكني وحده – الحزب إلى القبول بصيغة تفاوضية، لكنّ تبقى مشروطة بتحوّلات جيوسياسية كالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
وثانيها، المواجهة، وهذا خطر لأن قدرات الجيش اللبناني محدودة أولاً، ولأن 30% من جنوده ينتمون إلى الطائفة الشيعية ثانياً، وتجارب الجيش اللبناني مع الانقسام تُبقي الشكوك في ذلك مشروعة، وهذا منزلق أكيد إلى حرب أهلية جديدة.
وثالثها، الانهيار الذاتي، فثمة عوامل تؤدي إلى تآكل سلطة الحزب من الداخل، مثل الانقسامات القيادية مع غياب الكاريزمي نصر الله، والضغوط الاقتصادية على القاعدة الشعبية مع تضرر نحو 100 ألف وحدة سكنية في مناطق بيئة الحزب، وانكفاء الدعم الإيراني في حال توصلت المفاوضات الأميركية-الإيرانية إلى اتفاق يحدّ من دعم الميليشيات.
أخيراً، لا بد من الاعتراف بأن التفكيك الكامل لميليشيا “حزب الله” يتطلب إعادة تعريف العقد الاجتماعي اللبناني برمته، وهذه عملية ليست سهلة.










