في الحرب السورية، عانى قطاع السياحة السوري تدميراً كبيراً. وتشير بيانات سابقة لوزارة السياحة بدمشق إلى خروج 1468 منشأة سياحية عن الخدمة، منها 365 فندقاً، و1103 مطاعم، و403 منشآت سياحية دُمرت كلياً أو جزئياً، إلى جانب خسارة أكثر من 260 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وكانت دراسة لوزارة السياحة السورية في العهد الجديد قد تحدثت عن حاجة البلاد إلى استثمارات تقدر بنحو 10 مليارات دولار في قطاع السياحة، فيما تعهد وزير السياحة الجديد مازن الصالحاني، في مراسم إعلان الحكومة السورية الجديدة، إنشاء بيئات تستقطب السياح، قائلاً: “ترتكز رؤيتنا للمستقبل على تحويل سوريا إلى وجهة سياحية عالمية رائدة”.
لكن هذا ليس سهلاً. فبعد عقود من الصراع والأزمات، أصبح إنعاش القطاع السياحي أولوية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويتطلب مقاربة شاملة تجمع بين تحسين الصورة الدولية، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التسويق الرقمي، مع إشراك المجتمعات المحلية في عملية التنمية السياحية المستدامة، والتركيز على استغلال الإرث التاريخي والثقافي الغني للبلاد، والاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي لنقل صورة إيجابية وواقعية عن سوريا الجديدة.
اقرأ أيضاً: السياحة السورية: ترويج حكومي وسط أزمة نزوح إنساني – 963+
محاولات لتقديم تسهيلات
كان النظام السابق يركز على قطاع السياحة ضمن استراتيجية اقتصادية أثارت انتقادات واسعة من الخبراء الاقتصاديين. كانت ثمة محاولات لتقديم تسهيلات تشمل تخفيضات ضريبية للمستثمرين ودعم المشاريع السياحية الجديدة، لكن على حساب قطاعات اقتصادية أخرى أكثر إلحاحاً.
اليوم، تواجه السياحة السورية تحديات متعددة تتمثل في عدم استقرار الوضع الأمني في بعض المناطق، والبنية التحتية المتضررة، والصورة السلبية المرتبطة بسوريا دولياً. ويرى المتفائلون أن قطاع السياحة يمكن أن “ينمو بسرعة كبيرة” ما أن تكف حكومات الدول عن منع مواطنيها من السفر إلى سوريا.
لكن، قبل هذا، القطاع السياحي السوري بحاجة إلى استراتيجيات إنعاش سريعة، في مقدمها إعادة تشكيل الصورة الذهنية لسوريا في المشهد الدولي بحملة إعلامية متكاملة تستهدف تغيير الانطباعات السلبية المرتبطة بالأزمة السورية. وعلى الرغم من أن إعادة بناء البنية التحتية قد تستغرق وقتاً، فإن التركيز على المناطق ذات الأولوية السياحية يمكن أن يحقق نتائج سريعة نسبياً، مثل إعطاء الأولوية لتأهيل المطارات والمنافذ الحدودية والطرق المؤدية إلى المواقع السياحية الرئيسية، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا والتسويق الرقمي.
إلى ذلك، ثمة أولويات استراتيجية طويلة المدى، مثل ترميم المواقع السياحية التي تضررت بفعل الحرب أو دمرها تنظيم “داعش” في المناطق التي سيطر عليها، وتنويع المنتج السياحي السوري من السياحة الثقافية والتاريخية إلى السياحة الدينية والبيئية والعلاجية، وبناء شراكات إقليمية ودولية مع منظمات متخصصة مثل منظمة السياحة العالمية واليونسكو، وتطوير الكوادر البشرية في هذا القطاع.
اقرأ أيضاً: السياحة السورية ترفع أسعار الخدمات السياحية – 963+
دور المجتمعات المحلية
وللمجتمعات المحلية دورها في إنعاش السياحة، فالسياحة المجتمعية نموذج فعال للتنمية السياحية المستدامة. وينبغي إشراك السكان المحليين في صناعة القرار السياحي لضمان استدامة التنمية السياحية.
ودون ذلك كله تحديات وعقبات، أولها التحديات الأمنية والسياسية، إذ تشير التحذيرات الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية ومكتب التنمية الخارجية والكومنولث البريطاني إلى استمرار المخاوف من خطر الإرهاب والاضطرابات المدنية والخطف والأسر والنزاع المسلح، ولا تنمية سياحية حقيقية من دون معالجة هذه المخاوف بتطوير استراتيجية أمنية خاصة بالمناطق السياحية، والتواصل مع السفارات والبعثات الديبلوماسية لنقل صورة واقعية عن الوضع الأمني وتشجيع مراجعة تحذيرات السفر.
كذلك، ثمة تحديات اقتصادية ومالية تكمن في عجز سوريا الحالي عن الاستثمار في تطوير القطاع السياحي، والمطلوب تبني مقاربة متوازنة تراعي الأولويات الاقتصادية للبلاد، مع التركيز على المشاريع السياحية ذات العائد السريع والتأثير الإيجابي على المجتمعات المحلية. أخيراً، يمثل إنعاش السياحة في سوريا تحدياً كبيراً، لكنه في الوقت نفسه فرصة حقيقية للمساهمة في جهود إعادة إعمار البلاد.
نشرت هذه المادة في العدد السابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 18 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد السابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










