حسب السياق الزمني/التاريخي المُنتظَر سياسياً وحياتياً، فإن السوريين سيعيشون مرحلة انتقالية استثنائية مدتها خمس سنوات، وفقًا لما ينص عليه الإعلان الدستوري، كأعلى وثيقة سيادية تُؤطّر مسار البلاد. ومن المُفترَض أن تُسلّم السلطة القائمة حالياً ما بين يديها من سلطة ومؤسسات وشرعية وأدوات، تملكها وتستخدمها بشكل مطلق، إلى سلطة ومؤسسات أخرى، يُفترَض أن تُشيَّد وفق آليات وسياقات اعتيادية، نصّ الإعلان الدستوري على بعضها. وبذلك تنتقل سوريا من مرحلة المخاض إلى الولادة والانبعاث.
بين الزمنين، الحاضر وأوائل العام 2030، يبرز السؤال الكبير للسوريين، المتمحور حول قدرة ومصداقية القائمين على السلطة حاليًا في تحقيق هذا الانتقال بأريحية وضمن المدد المنصوص عليها، ومدى امتلاكهم للإرادة السياسية المسبقة والمطلقة، لتكون سلطتهم وزمنهم الانتقالي فعلًا كذلك: أداة لعبور سلس بين عالمين، سوريا الاستبداد والقمع وسطوة الحاكم الأوحد، وسوريا التي يتطلع إليها السوريون، والتي قدّموا في سبيلها بحرًا من الدماء.
ليس الأمر مجرد إرادة سياسية وأيديولوجية، وإن كانت هذه هي المنطلق الأساسي في كل شيء، بل يتجاوز ذلك ليكون مجموعة من المعايير والأدوات شديدة الوضوح، لا يمكن تحقيق أي شيء من ذلك الانتقال الاعتيادي المأمول دونها، كما أثبتت تجارب شعوب ودول لا تُحصى، حتى صار من “السذاجة” التفكير في إمكانية تحقيق أية قيمة أو نتائج دون تطبيق جدولها التنفيذي حرفياً.
اقرأ أيضاً: سوريا: الدولة العميقة من جديد
إذ لا يمكن لأي مرحلة انتقالية، مثلًا، أن تحقق أهدافها دون أداة وسيطة بين عالمي المجتمع والسلطة، هي الأحزاب السياسية المنظمة، وفقط الأحزاب السياسية المنظمة. فهذه الأخيرة قادرة على نقل إرادة المتن العام ومطالبه وحقوقه وتطلعاته إلى قمة هرم الدولة، وعلى إعادة بلورة تلك الرؤى العامة كأدب سياسي وبرامج تنفيذية واضحة قابلة للتطبيق والمراجعة وإعادة التنظيم، وممارسة ضغط حقيقي على الحاكمين في الفترة الانتقالية، وقبل كل شيء، تحمل المسؤولية في واحدة من أصعب مراحل بناء الدول والأمم: المرحلة الانتقالية.
لا تُبشّر الأحوال السورية بإمكانية تحقيق ذلك الشرط الأولي. فالحكام الجدد استولوا على سلطة البلاد ومؤسساتها وخيراتها، وعقدوا “حواراً وطنياً”، وأعادوا توزيع كل المناصب والمغانم وهياكل الدولة، وأصدروا إعلاناً دستورياً، وسيُعيّنون برلماناً انتقالياً، وفعلوا كل ذلك دون أن يهاتفوا شخصاً أو حزباً سياسياً سورياً، ولو على سبيل الاستئناس! وهم يرسلون يوميًا إشارات لا تُحصى، تؤكد جميعها ابتعادهم عن أي جسم منظم، سياسيًا كان أم مدنيًا، أو حتى أهلياً وجماعاتياً، إذ يستميتون في تقسيم الحياة في البلاد إلى حيزين فقط: القائمون على السلطة مقابل السوريين الأفراد، ولا شيء غير ذلك.
كما هو الحال مع الأحزاب السياسية المنظمة، فإن شرط سلامة عبور المرحلة الانتقالية يكمن في مدى ومتانة الاتفاق الأولي على الشكل الذي ستكون عليه البلاد بمؤسساتها ومواثيقها وأجهزتها في نهاية المرحلة الانتقالية. فذلك التفاهم، ولو في حده الأدنى، بين ثلاثي المجتمع والأحزاب المنظمة والسلطة الحاكمة، يُزيل احتمالات الاستقطاب والصدام فيما بينهم، والذي، إن وقع، قد يدفع أحدهم – وغالباً ستكون السلطة الحاكمة – إلى فرض إرادته وسطوته، والخروج عن الأعراف ومبدأ التوافق، وبالتالي ستغدو المرحلة الانتقالية مجرد عتبة نحو استبداد جديد طويل الأمد.
لا تُظهِر الوقائع السورية أي مؤشرات إيجابية في هذا المنحى، حتى على مستوى التعريفات الأولية لما ستكون عليه سوريا في نهاية المرحلة الانتقالية. إذ لا يعرف أحد ما إذا كانت ستكون دولة ذات نظام سياسي ديمقراطي أم لا، دولة مركزية في حكمها وإدارتها أم معترفة بتعدديتها الداخلية، وما سيكون تعريفها وهويتها وموقعها من الأسئلة والصراعات المحيطة بها! علمانية مدنية أم دولة دينية بغطاء مدني؟! كل هذه القضايا مشبعة بالغموض والتنازع بين الثلاثي السوري حاليًا، مما يُنذر بصدامات عدَمية غير نهائية في المستقبل القريب.
اقرأ أيضاً: الدستور الطنطل
أخيراً، كانت “نوعية القادة” الذين أداروا دفة هذه التجارب الانتقالية الخاصة شديدة التأثير على “نوعية المرحلة” برمّتها. فمنهم من جاء من تجارب حياتية وسياسية وثقافية عميقة، وكانوا قائمين على رؤية واسعة لذواتهم ومستقبل بلدانهم وصورتهم في التاريخ، فشيّدوا سياقات انتقالية سلسة غلبت فيها مصالح مجتمعاتهم ومتانة مؤسسات دولتهم على تطلعاتهم الشخصية ومصالحهم الخاصة. والعكس كان صحيحًا تمامًا. فأهمية “نوعية القادة” خلال المراحل الانتقالية تنبع من خصوصية المرحلة ذاتها، حيث تُمنح السلطة والهالة بشكل شبه مطلق للأشخاص، لا للمؤسسات والقوانين.
في سوريا اليوم، تبدو الصورة قاتمة تمامًا في هذا السياق: “قادة” جاءوا من تجارب سياسية وأيديولوجية بائسة، يعانون من فقر في الخيال وفي الحس التواصلي مع العالم الخارجي، مارسوا أعمالًا تبدأ بالقتل على الهوية، وتمرّ باستباحة دماء المدنيين، ولا تنتهي برجم النساء، متمركزون حول ذكورة نفسية وخطابية فجة، مليئون بأوهام المركزية على مستوى الكون.
نشرت هذه المادة في العدد السادس من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 11 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد السادس من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










