لسببين جوهريين، كانت الحالة السورية تستدعي “دستورية مُحكمة وراشدة”، وما تزال، على العكس تماماً مما ظهر من “دبكة دستورية”.
فبعد ثلاثة أرباع قرن من استبداد وهيمنة أيديولوجية سلطوية شديدة الشعبوية، تبدو كل الأشياء في سوريا كأنها فاقدة تسمياتها وتعاريفها ووعيها لذاتها ووظائفها. البشر أنفسهم في هذه البلاد غدوا فاقدي القُدرة على فعل ذلك، ومثلهم المؤسسات والمواثيق وآليات العمل العام ومسارات إنتاج السلطة في كل مستوياتها… هذه الأشياء التي يأتي الدستور عادة ليمنحها هوياتها وتعاريفها، ينظمها ويأطر مجال عملها، سلطتها وحدودها الطبيعية.
السبب الثاني كامن في الهوة الشاسعة في قيمة القوة بين السوريين راهناً، أفراداً وجماعات وكتلاً أيديولوجية. فلأسباب ديموغرافية وهوياتية تاريخية متراكمة، وأخرى سياسية وحربية ميدانية حدثت طوال السنوات الماضية، ثمة في سوريا اليوم من هُم “أقوياء جداً”، متخمون بكل أنواع المتانة ومداخل الاعتداد، يشكلون أغلبية سُكانية واضحة، ويمتلكون شرعية مُعترف بها من الجميع، يسيطرون على كل مؤسسات الدولة، ويستحوذون على دعم إقليمي مفتوح، وجاهزية للقبض على أي شيء. قُبالتهم، ثمة “المستضعفون تماماً”، أقليات سكانية متناثرة، خالو الوِفاض من كل شرعية أو دعم إقليمي، متلهفون للحصول على اعتراف وشراكة من الأقوياء، هامشيون متناثرون في أنحاء البلاد، قُبالة المركزيين هؤلاء.
منذ قرون، كان الفقه الدستوري قد شُيد أصلاً على أساس محاولة تخفيف فروق القوة هذه، لخلق تعايش وسلام اجتماعي ما. فدون ذلك، كان للأقوياء أن يبتلعوا المستضعفين ويحطموا قدراتهم على البقاء، أن يمارسوا محقاً مستداماً تجاههم، فـ “اخترع” العقل السياسي الدستور كقوة ناعمة ورمزية، لتكون لصالح الحلقات الأضعف من المجتمع، لحمايتهم وصناعة الحدود بينهم وبين غيرهم من الأقوياء المتجاسرين.
لكن، ألم يحدث في سوريا الجديدة ما هو العكس تماماً، حيث أتى “الإعلان الدستوري”، الذي يشكل القاعدة الأساسية والمنطقة للدستور الدائم المنوي كتابته بعد سنوات، على الضد من تلكم القاعدتين الدستوريتين الجوهريتين؟
ففي كل تفصيل منه، ثمة تعويم هائل للأشياء، رفع الصفات والمحددات والمعاني عنها، تحويلها إلى فضاءات عائمة، تزيدها غموضاً عما كانت في الزمن الأسدي. ينطبق الأمر على سلسلة لا متناهية من تلك المؤسسات والسلطات: البرلمان والمحكمة الدستورية، آلية إقالة أو حتى محاسبة المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، سلطات ومحددات هذا الأخير، وموقعه من باقي السلطات والمؤسسات في البلاد، مدى وشكل استقلالية السلطات عن بعضها، الوظائف والعلاقات واشكال التعاقد بين السلطة والمجتمع.
كل هذه الأشياء راهناً هي دون روحية دستورية، خالية من الإطار والشكل، وكل شيء لا شكل له يتحول ببساطة إلى “مشكلة”. لأن سوء التحديد والتعريف هذا، سيسمح للنافذين المركزيين تفسير واستخدام وتجيير كل تلك المؤسسات والسلطات حسب مزاجهم ومصالحهم ومتطلبات نفوذهم المتنامي.
مستوى الاعتلال الآخر في هذا “الإعلان الدستوري”، كامن في التلهف غير المفهوم نحو “حماية الأقوياء”، وحيث أن العكس تماماً هو ما قام عليه العرف الدستوري تاريخياً.
فالجمهورية، بحسبه، يجب أن تكون “عربية” التعريف، رغم كون العرب يشكلون أكثر من 90% من السكان، وتالياً فإن هويتها وثقافتها ولغتها العامة وفضائها الإنساني عربي بالضرورة، بحكم الواقع، من دون أي حاجة لمثل ذلك التعريف. وحيث أن الآخرين، الأقل قوة وحضوراً وقدرة على تثبيت الذات، مثل الأكراد والسريان والتركمان والأرمن، كان من المفترض أن يحميهم ويعترف بهم هذا الإعلان، كميزة إيجابية وجبر لخاطر حسهم الأصيل بالضعف، لكنه لم يحدث.
مثل التعريف القومي، جاء تحديد دين رئيس الدولة والمصدر الرئيسي للتشريع وسلطات رئيس الجمهورية والمقدمة التعريفية، وكل شيء آخر، موالياً ومسانداً لأقوياء البلاد، الذين هُم بداهته الأساسية.
قبل زمان بعيد، حين كانت “مسألة الحرية” منوطة في ثنائية الدولة/المجتمع، كان مفكرون من أمثال الألماني كارل شميت يؤكدون ضرورة أن يكون الدستور أداة المجتمع لحماية نفسه من “الدولة”، التي هي كُتلة قوية من المخالب، بينما مجتمع متناثر ومتناقض فيما بينه. بعد قرنٍ من التنظير الألماني ذاك، ومع تبدد تام للدولة بكل أركانها، صار واجباً على الدستور أن يحمي المجتمع من المجتمع، لأن الأخير لم يعد مجرد طيف من الأفراد الذين تجمعهم العلاقات المدنية، الودية والإيجابية، بل جيوشاً من الهويات الحادة وأشكال الاستعداد لمحق الآخرين، أشياء تشبه تلك الكائنات الخرافية التي كانت العائلات التقليدية تُخيف بها أطفالها قبل النوم، ليخلدوا لسكينة مُرعبة، تمنعهم من الحركة ولو في فراشهم، كان أهلنا من ناس أرياف الشمال السوري يسمونه “الطنطل”.










