في الجولة الثالثة من التفاوض اللبناني – الإسرائيلي في واشنطن، يستطيع الوفد اللبناني أن “يطرح أجندته بقوة”، لكنه لا يستطيع، بالمعنى العملي، أن “يفرضها وحده” الفرق كبير بين أن يذهب لبنان إلى الطاولة ومعه شروط واضحة: وقف إطلاق نار نهائي، انسحاب إسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية، إطلاق الأسرى، ثم البحث في الترتيبات الأمنية؛ وبين أن تكون لديه القدرة الفعلية على جعل إسرائيل والولايات المتحدة تقبلان هذا الترتيب بالتسلسل نفسه.
الأجندة اللبنانية منطقية من زاوية السيادة: لا تفاوض طبيعياً تحت النار، ولا معنى لاتفاق أمني بينما تبقى إسرائيل داخل أراضٍ لبنانية، ولا يمكن الذهاب إلى مفاوضات سياسية أوسع قبل معالجة ملف الأسرى والاحتلال والخروقات. لذلك يركّز لبنان، بحسب التقارير المواكبة للجولة الثالثة، على تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، في حين تريد إسرائيل نقل البحث سريعاً إلى سلاح حزب الله وضمانات أمن الشمال.
لكن المشكلة أن ميزان الطاولة لا يميل لمصلحة لبنان بالكامل. إسرائيل تفاوض من موقع عسكري ضاغط، إذ تستمر الضربات رغم التهدئة، وتربط انسحابها بضمانات أمنية ونزع أو تحجيم قدرة حزب الله. والولايات المتحدة، بصفتها الراعي لا الوسيط المحايد تماماً، تضغط باتجاه اتفاق أوسع يتجاوز وقف النار إلى ترتيب أمني ـ سياسي وربما خطوات تطبيعية لاحقة. تقارير إسرائيلية تحدثت أيضاً عن ضغط أميركي على بيروت لاتخاذ خطوات كبيرة، بينها إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955، وهذا يعني أن واشنطن لا ترى الجولة مجرد بحث تقني في وقف إطلاق النار.
لذلك، قدرة الوفد اللبناني على “فرض” أجندته مشروطة بثلاثة عناصر: وحدة داخلية لبنانية، وضمانة أميركية مكتوبة، وربط أي بحث لاحق بتنفيذ إسرائيلي مسبق. فإذا دخل لبنان الطاولة منقسماً بين دولة تفاوض وحزب يرفض التفاوض أو يملك قرار الحرب والسلم، تصبح ورقته أضعف. وإذا قبل ببحث الملفات كلها دفعة واحدة، فقد تتحول مطالبه السيادية إلى بنود مؤجلة، بينما تصبح المطالب الإسرائيلية ـ الأميركية، خصوصاً سلاح حزب الله والترتيبات الحدودية، هي جوهر التفاوض. أما إذا تمسك الوفد بتسلسل واضح: وقف النار أولاً، الانسحاب ثانياً، الأسرى ثالثاً، ثم ترتيبات أمنية برعاية دولية، فهو لا يفرض النتيجة لكنه يمنع انقلاب جدول الأعمال عليه.
بمعنى آخر: لبنان يستطيع أن يقول “لا مفاوضات سياسية قبل وقف النار والانسحاب”، لكنه لا يملك وحده ضمان أن تُقبل هذه الـ“لا”. قوته الحقيقية ليست في رفع السقف فقط، بل في تحويل السقف إلى صيغة قابلة للتسويق دولياً: لا تطبيع، لا صورة مجانية، لا مصافحة تاريخية، بل اتفاق أمني محدود هدفه وقف الحرب واستعادة الأرض وتثبيت القرار الدولي.
يمكن القول إن رئيس لبنان نجا، ولو مؤقتاً، من إرادة ترامب في ترتيب مشهد مصافحة مع نتنياهو. ترامب كان قد توقع استقبال نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون في واشنطن ضمن قمة “تاريخية”، لكن القمة لم تحصل، وتمسّك عون بأن أي لقاء من هذا النوع يحتاج أولاً إلى وقف الهجمات الإسرائيلية واتفاق أمني واضح.
نجاة عون هنا ليست تفصيلاً بروتوكولياً. فالمصافحة مع نتنياهو، قبل وقف النار والانسحاب، كانت ستُقرأ في لبنان كتنازل مجاني، وربما كفتح باب تطبيع تحت الضغط لا كنتيجة اتفاق. لذلك كان رفض الصورة قبل المضمون مكسباً سياسياً للرئيس: حافظ على موقعه أمام الداخل اللبناني، ومنع تحويل لبنان من طرف متضرر يطالب بوقف العدوان إلى طرف يُطلب منه تقديم مشهد سياسي يخدم ترامب ونتنياهو.
لكن النجاة ليست نهائية. الضغط الأميركي سيعود بأشكال أخرى: قمة لاحقة، اتفاق أمني موسع، بحث في سلاح حزب الله، وربما شروط اقتصادية وسياسية. لذلك الامتحان الحقيقي ليس فقط أن يتجنب الرئيس مصافحة نتنياهو، بل أن يمنع تحويل التفاوض من مسار لاستعادة السيادة إلى مسار لانتزاع تنازلات لبنانية تحت عنوان السلام.
أخيراً، يستطيع الوفد اللبناني فرض أجندته، لا نتائجها. يستطيع أن يجعل وقف النار والانسحاب والأسرى مدخل التفاوض، لكنه يحتاج إلى صلابة داخلية وضمانات خارجية كي لا تتحول هذه المطالب إلى وعود مؤجلة. أما عون، فقد نجا من صورة المصافحة، لكنه لم ينجُ بعد من معركة المعنى: هل تكون المفاوضات طريقاً لحماية لبنان، أم طريقاً لإدخاله في صفقة لا يملك شروطها؟










