منذ بداية 2026، انتقلت واشنطن من ليبرالية دولية سادت ما بعد الحرب الباردة إلى واقعية تصريحية قائمة على المصالح القومية الضيقة والنهج “المعاملاتي” الصرف. وهكذا، بجرة من قلم دونالد ترمب، ما عادت “الموثوقية الأميركية” أصلاً ثابتاً، بل صارت متغيراً خاضعاً لتقلبات واشنطن وإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية بحجة “أميركا أولاً”.
في منطقتنا، ربما تبرز المسألة الكردية نموذجاً تاريخياً ومعاصراً صارخاً لهذا النمط من السلوك الاستراتيجي، إذ تكرر “سيناريو التخلي الأميركي” عن الشركاء الميدانيين بمجرد استنفاد غرضهم الوظيفي. هذا السلوك دفع القوى الإقليمية، لا سيما العرب، إلى انتهاج سياسة “التحوط الاستراتيجي” يالموازنة الدقيقة بين واشنطن من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى.
في الوقت نفسه، تعيش أوروبا أزمة ثقة عميقة حركتها التهديدات الأميركية بضم غرينلاند والضغوط غير المسبوقة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تعجيزية، وهو ما لم يفلح وزير الخارجية ماركو روبيو في ستره خلف خطاب عاطفي في قمة ميونخ للأمن 2026.
تمثل العلاقة الأميركية-الكردية دراسة حالة مثالية لفهم طبيعة التحالفات التكتيكية في الاستراتيجية الأميركية، حيث اتسمت هذه العلاقة تاريخياً بنمط متكرر من الدعم العسكري المشروط بالصراع مع خصوم واشنطن، يليه انسحاب مفاجئ يترك الكرد في مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية المتفوقة.
فبعد عقد من التنسيق والتعاون ضد “داعش” والجهاديين، وصل في 2026 الفصل الأخير من هذه العلاقة إلى نهايته المأساوية، إذ أعلن المبعوث الأميركي توم باراك أن بلاده “لا ترغب في بقاء عسكري طويل الأمد، وأن الأولويات انتقلت لدعم المصالحة الوطنية والوحدة السورية تحت قيادة الرئيس الجديد أحمد الشرع”.
إنها الواقعية التصريحية التي تنتهجها إدارة ترامب الثانية، مانحةً مصالح الطاقة والعلاقات مع القوى الإقليمية (مثل تركيا) الأولوية على حساب التحالفات مع الأقليات العرقية. ووجد الكرد أنفسهم أمام خيارين: إما التطهير العرقي على يد الفصائل المدعومة تركياً، أو القبول بخطة تعيدهم لقبضة دمشق، مع وعود “هشة” بحماية الهوية الثقافية.
شكلت قمة ميونخ للأمن الأخيرة منصة لمواجهة بين رؤية أميركية قائمة على الواقعية القومية ورؤية أوروبية متمسكة بالتعددية الليبرالية. وفي محاولة لتهدئة المخاوف الأوروبية العميقة، استخدم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لغة عاطفية غير معتادة، واصفاً الولايات المتحدة بأنها “ابنة أوروبا”، ومؤكداً أن واشنطن لا ترغب في إنهاء التعاون عبر الأطلسي، لكنه ربط هذا “الحب الحضاري” بشروط أيديولوجية قاسية: على الأوروبيين بالاستيقاظ من “وهم نهاية التاريخ” والتوقف عن “جلد الذات” بسبب الماضي الاستعماري. إلا إنه لم ينجح. فقد وصفت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، توصيف روبيو أوروبا بأنها “منحلة” بأنه هجوم أيديولوجي مرفوض، مؤكدة أن “أوروبا الواعية” ليست في حالة انحدار.
إلى ذلك، أظهرت استطلاعات رأي وزعت خلال القمة أن ثقة الأوروبيين في أميركا تراجعت: في ألمانيا، 66% من المستطلعين يرون الولايات المتحدة أقل موثوقية، ويشارك 57% من الكنديين هذا الرأي. في المملكة المتحدة، 52% يعبرون عن عدم ثقتهم. إن هذه النسب دليل فعلي على إدراك أوروبي أن “التحالف القوي” الذي يتحدث عنه روبيو هو في الحقيقة “تحالف قائم على شروط واشنطن وحدها”، حيث يُطلب من أوروبا أن تكون “شريكاً قادراً لكن تابعاً” للأجندة الأميركية، لا أكثر.
كذلك، تعد أزمة غرينلاند أخطر تصدع في تاريخ “الناتو”. لم يعد اهتمام ترامب بغرينلاند مجرد طموح عقاري غريب، بل تحول إلى “مصلحة أمن قومي استراتيجية”. هددت واشنطن بفرض ضريبة استيراد بنسبة 25% على السلع الأوروبية إذا لم تتنازل الدنمارك عن الجزيرة. ردّت الدانمارك، مدعومة بثمانية دول من الناتو، بنشر قوات عسكرية للدفاع عن الجزيرة. ورغم تراجع ترامب في منتدى دافوس 2026 عن خيار القوة العسكرية بعد ضغوط من الأمين العام للناتو مارك روته، بقيت الأزمة جرحاً غائراً.
أدرك الأوروبيون أن واشنطن لم تعد تحترم مبادئ القانون الدولي أو سيادة الحلفاء عندما تتعارض مع مصالحها الجيوسياسية في القطب الشمالي.
في ظل الشكوك المتزايدة في الموثوقية الأميركية، لم تنتظر الدول العربية، وخاصة دول الخليج، “المعجزات” الديبلوماسية من واشنطن، بل بدأت في بناء هندسة أمنية واقتصادية متعددة الأقطاب. وصارت الصين بالنسبة إلى العالم العربي البديل الأكثر جاذبية للنموذج الأميركي المعاملاتي. فبينما تفرض واشنطن شروطاً سياسية وأيديولوجية، تقدم بكين نموذجاً قائماً على “التنمية المشتركة” من دون التدخل في الشؤون الداخلية.
إلى ذلك، يمثل صدور “استراتيجية الدفاع الوطني” 2026 المنعطف الأهم في تعريف التحالفات الأميركية المستقبلية، إذ وضعت حداً لعهد “الحماية التلقائية”. فللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صنفت الاستراتيجية الدفاع عن “الوطن الأميركي” ونصف الكرة الغربي أولوية قصوى، متقدمة حتى على ردع الصين في المحيط الهادئ. أما أوروبا والشرق الأوسط فتم تصنيفهما “مسارح ثانوية”، وهذا يعني أن الانتشار العسكري الأميركي الدائم سيتم استبداله بما يسمى “مساهمات نوعية وتناوب دوري”، وهذا يترك الحلفاء في الخطوط الأمامية وحيدين في مواجهة التهديدات الإقليمية.
ولا ننسى معيار 5% من الناتج المحلي الإجمالي الذي فرضته واشنطن في قمة لاهاي 2025 للإنفاق الدفاعي، وهو ضعف المعيار السابق الذي كان الكثير من الحلفاء يكافحون للوصول إليه. بالنسبة إلى ترامب، هذا المعيار هو ثمن “الموثوقية”: فمن لا يدفع لا يستحق الحماية، فيما أعربت دول مثل إسبانيا وبلجيكا وألمانيا عن تحفظها الشديد، معتبرة أن هذا الرقم “غير واقعي” يؤدي إلى تدمير نموذج الرفاه الاجتماعي الأوروبي لصالح شركات السلاح الأميركية.
من جانب آخر، ما عادت المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو (الدفاع المشترك) تُفهم في واشنطن كالتزام تلقائي، بل كالتزام “مشروط بالأداء”. فاستراتيجية 2026 واضحة في أن الولايات المتحدة توفر “الممكنات الحرجة” فقط (الاستخبارات والدعم اللوجستي)، بينما يقع عبء القتال التقليدي على عاتق الدول الأوروبية والشركاء الإقليميين. وهذا التحول دفع المستشار الألماني فريدريش ميرتس للقول: “عصور السلام الأميركي (Pax Americana) انتهت بالنسبة إلينا”.
لكن… لماذا لم تعد أميركا حليفاً موثوقاً؟ الجواب ممكن من منظار الواقعية الهجومية: في مدرسة الواقعية الصفقاتية، لا حليف دائماً. وبينما يحاول روبيو تسويق القيم المشتركة والتراث المسيحي لربط أوروبا بواشنطن، تقوم الممارسة الأميركية الفعلية على القومية الاقتصادية و فرط الحمائية. هذه الفجوة خلقت حالاً من الانفصام في العلاقات الدولية، فلم تعد الديبلوماسية قادرة على إخفاء حقيقة أن الولايات المتحدة مستعدة لابتزاز أقرب شركائها لتحقيق مكاسب تجارية أو إقليمية.
ختاماً، لم يكن كلام ماركو روبيو “المعسول” في ميونخ سوى محاولة لترميم واجهة متصدعة لبيت لم يعد يسكنه الحلفاء بأمان. إن الموثوقية تُبنى بالأفعال لا بالخطابات الحضارية. وفي ميزان الأفعال الأميركي 2026، يبدو أن واشنطن قد اختارت “القلعة” على حساب “التحالف”، والمصلحة اللحظية على حساب الوفاء التاريخي.










