شكل تنظيم “داعش” خلال العقد الماضي معضلة إقليمية ودولية، طال خطرها عدداً من العواصم الأوروبية والعالمية، كونه يعتمد على الصيغة الجهادية العابرة للحدود، ويسعى في عملياته لبث الخوف وإعطاء صورة مبالغ فيها عن قدراته العسكرية، وعدده، وعتاده.
ونجح التنظيم في الفترة الممتدة من عامي 2013 – 2019 أن يرسم ملامح جغرافية واسعة على الأراضي السورية والعراقية، مستغلاً للظروف السياسية، وعوامل الفلتان الحدودي بين سوريا والعراق، إضافة إلى حالة التخبط نتيجة ثورات الربيع العربي، وجميعها أسباب دفعت التنظيم بأن سيطر في وقت سابق على أجزاء واسعة من الخارطتين السورية والعراقية، قبل بدأ العمليات العسكرية الخاصة للتحالف الدولي ضد التنظيم، والتلاشي التدريجي لنفوذه، بعد طرده نهائياً من العراق 2017، وسقوط آخر معقل له في سوريا 2019 بالـ “باغوز” دير الزور.
ولادة جديدة
رغم القضاء على تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، إلا أنه حافظ خلال السنوات الخمس الأخيرة على جيوبه في منطقة البادية وتدمر، وأرياف دير الزور، والرقة، ومع سقوط الأسد شكل ذلك بالنسبة له بيئة خصبة للتنظيم والتسليح، خاصة وأنه سيطر على العديد من النقاط والمعسكرات في البادية، وأعاد اتصالاته مع متطرفين مرتبطين به قادمين من الشمال السوري، وأعلن الحرب على الإدارة السورية الجديدة في ديسمبر 2024 عبر بيان مصور بثه التنظيم عبر صحيفته الرسمية النبأ، في العدد 472، على اعتبار أن الرئيس الشرع “قائد عمليات ردع العدوان وقتها” يفتح خطوط التواصل مع الغرب والتحالف “الصليبي” “عدو الإسلام” حسب وصفه.
استطاع تنظيم “داعش” ترجمة أقواله بالأفعال، إذ أحبطت قوات الأمن العام في كانون الثاني محاولة التنظيم استهداف مقام السيدة زينب في دمشق، وكنائس معلولا، وفجر سيارة مفخخة في موقع أمني بمحافظة دير الزور 18/ مايو 2025، وغيرها من الأحداث أبرزها تفجير “كنيسة مار الياس” 22 يونيو/ 2025 راح ضحيتها العشرات من المسيحيين، وعملية تدمر 13/ ديسمبر أسفرت عن مقتل جنود أميركيين على يد عنصر من الأمن العام السوري منتمي للتنظيم.
ضرب خطوط الإمداد
توفر البيئة الجغرافية الممتدة على طول الحدود السورية العراقية، أرضية خصبة لإمداد تنظيم داعش، إضافة إلى الأراضي الصحراوية في عمق البادية، ما يعكس خطراً مشتركاً على سوريا والعراق والأردن، حيث تعمل هذه الدول على تركيز استهدافاتها الحدودية لتحركات التنظيم، إلا أن ذلك لا يكفي عسكرياً، إذ أن ضرب الأوكار الخاصة بالتنظيم في عمق البادية يشتت من نقاطه الارتكازية، ويضعف من طرائق إمداده، وهو ما ركزت عليه عملية “عين الصقر” باستهداف 70 موقعاً في بادية حمص وريفي دير الزور والرقة.
وعليه يشكل تأمين الحدود الشرقية منطلقاً رئيسياً في محاصرة التنظيم، وقطع خطوط إمداده، وهذا يتطلب تعاوناً استخباراتياً مع المملكة الأردنية الهاشمية والعراق كشركاء حدوديين، ومُستهدفين من خطر التنظيم، إضافة إلى تعزيز الوحدات القتالية العاملة في منطقة البادية، والتي تعمل حسب العديد من المصادر على إنشاء خارطة طبوغرافية جديدة للمنطقة بالتعاون مع التحالف، لإجراء المسح العسكري الشامل لضرب خلايا التنظيم.
تبادل استخباراتي
تشير التقديرات الأمنية إلى أن انضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي، يمثل أحد أبرز التحديات لتنظيم داعش من الناحية الأمنية، إذ توفر الارتباطات الجهادية السابقة للإدارة السورية الجديدة قاعدة بيانات كبيرة تساهم في كشف العديد من أسرار داعش المتعلقة بالاتصالات، والشخصيات غير المعروفة، وطرق الإمداد والتمويل، وعليه تمثل كثافة التبادل المعلوماتي سلاحاً فتاكاً في صفوف التنظيم، وخرقاً غير تقليدي لقدراته العسكرية، خاصة وأنه لا يزال يعمل عل لملمة نفسه في المراحل الأولى.
إلا أن فكرة التبادل الاستخباراتي، لا تعني بشكلها التقليدي تقديم البيانات الخاصة، بل هي فكرة قائمة على تتبع ومراقبة الجهاديين المنتمين رسمياً، أو الحاملين لفكر داعش، وهذا ينطبق على المؤسسات الأمنية والعسكرية في الداخل السوري، إذ أنه بعد حادثة تدمر جرى التركيز على العديد من العناصر المحتمل انتمائها لتنظيم داعش.
حرب أيدلوجية
قد يبدو أن خياراً صعباً يمكن أن تتخذه الحكومة السورية لمحاربة تنظيم “داعش”، إلا أن التكلفة قد تكون باهظة، إذ أن إطلاق الحكومة السورية قانوناً خاصاً لمكافحة التطرف الديني، حلاً أيدلوجياً فعالاً سبقت إليه العديد من الدول المتطورة أبرزها المملكة العربية السعودية، وهو خياراً استراتيجياً يجنب البلاد العديد من المطبات الطائفية، ويعطي ارتياحاً داخلياً، ودعماً خارجياً معززاً يصب في مصلحة الإدارة السورية الجديدة، طالما تؤكد في بياناتها الرسمية محاربة الإرهاب والتطرف.
إذ يشكل مثل هكذا قانون نواة حقيقية لبناء دولة قائمة على العمل المؤسساتي، وآلية مضادة للأجندة المتطرفة، التي تسعى للتغلغل في المؤسسات الأمنية والعسكرية، واستقطاب الشبان لمثل هكذا مهمة، في حين تؤكد الحكومة السورية بشكل متواصل على أن المرجعية الدينية لا تعني التطرف، وأن العقلية الجهادية والفصائلية انتهت في سبيل البناء والتطوير.
رغم العمليات الإرهابية لتنظيم “داعش” إلا أنه لا يزال في طور إعادة تشكيل نفسه، ومع ذلك لا يزال خطراً حقيقياً يهدد المنطقة بأكملها، لا سيما وأن استراتيجية عملياته قائمة على استهداف الرموز الدينية والطائفية، وكل ما يمكن أن يحدث شرخاً داخلياً ينعكس بشكل سلبي على الحكومة وكيفية إدارتها لهذا الملف.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










