عادت قضية المقاتلين الأجانب تطفو على واجهة الأحداث، بعد سلسلة اشتباكات اندلعت بين قوات الأمن الداخلي ومقاتلين يحملون الجنسية الفرنسية يديرون مخيم الفردان في ريف إدلب، وما تبع ذلك من بيانات مصورة لمقاتلين أوزبك ومن جنسيات أخرى لدعم و”مناصرة أخوتهم” الفرنسيين، ظناً منهم أن الحكومة السورية تعتزم التخلص منهم تدريجياً بهدف تصفيتهم.
إلا أن هذه الحادثة ليست سوى جزءاً بسيطاً من مشكلة هي الأكبر تتعلق بضبط الإيقاع الأمني للأجانب الذين قاتلوا مع “هيئة تحرير الشام”، وشكلوا عدداً لا بأس به من التشكيلات العسكرية بإدلب حتى سقوط النظام في الـ 8 من ديسمبر العام الفائت، إضافة إلى ضغوط ورقابة دولية على رئيس المرحلة الانتقالية احمد الشرع، والذي تعهد بإدماجهم بعد أن كان التخلص منهم شرطاً أميركياً رئيسياً ضمن عدة بنود لرفع العقوبات عن سوريا.
“داعش” والأجانب
يشكل ملف المقاتلين الأجانب سلاحاً ذو حدين بالنسبة للإدارة الجديدة، وأحد أبرز التحديات في مسيرة الشرع السياسية، والذي حافظ عليهم وفاءً لما قدموه خلال مسيرتهم معه في “هيئة تحرير الشام”، ومنعاً من الانقلاب ضده، أو استقطابهم لصالح جهات أخرى في حال التخلي عنهم، إلا أنه في الوقت نفسه يستخدم المجتمع الدولي هذه الورقة للضغط عليه، كما حصل في مخيم الفرنسيين، حيث اعتبر المقاتلون الفرنسيون العملية الأمنية جاءت بتوجيه من الاستخبارات الفرنسية، وعليه ثمة العديد من التحديات في سبيل احتواء الملف لمقاتلين متعددي الجنسيات.
منذ إعلان “هيئة تحرير الشام” حل نفسها والانتقال إلى مسار العمل ضمن دولة جامعة تحتكم للقانون والتحول إلى دولة مؤسسات “بعيداً عن ضعف التطبيق” ظهرت مؤشرات طفيفة عند المقاتلين الأجانب الذين يحملون في عقيدتهم فكراً جهادياً عابراً للحدود على اعتبار أنهم مهاجرون، وهو ما يتطابق مع عقيدة تنظيم داعش، والذي بدأ عمله في نشر الدعوات الموجهة لهم للانشقاق عن صفوف الإدارة الجديدة، على اعتبار أنها غيرت مسارها الجهادي، وعليه قدم الشرع خطة طارئة لدمج المقاتلين الأجانب في صفوف الجيش السوري ضمن الفرقة 82، كي لا تستميلهم داعش، ورغم ثمة مخاوف متعلقة بالاختراق العقائدي لهم من قبل “تنظيم الدولة”.
تهديد دولي
تحول المقاتلون الأجانب إلى تهديد عالمي وإقليمي متمركز في سوريا، لما شكلوه من حالة طارئة بالنسبة لبلدانهم الأصلية والتي صنفتهم على لوائح الإرهاب، لا سيما روسيا، الصين، دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، إلا أن كبرى التحديات تسير نحو ما كان يسمى سابقاً “حزب التحرير التركستاني” والذي يتألف من مقاتلين إيغور قادمين من الصين، ويضم قرابة 2500 مقاتل وهو الفصيل العسكري الأجنبي الأبرز في سوريا، وعليه تضغط الصين العضو الدائم في مجلس الأمن والمالكة لحق الفيتو، على الإدارة الجديدة في سبيل محاربتهم، وهو ما ربطه البعض باعتقال الأمن العام لعدد من القيادات التركستان مثل “أبو دجانة”.
أما روسيا، فلديها مخاوف من المجاهدين الشيشان، وحدوث أي ارتدادات تجاه قواعدها في الساحل السوري، لذلك تعمل بشكل وثيق على إزالة هذا الخطر من طريق قواعدها الساحلية، والأمر ينطبق على ما كان يسمى “حراس الدين” ويضم مقاتلين أردنيين ومغاربة وتونسيين ومصريين وأتراك، وكتيبة “المجاهدين الغرباء” من طاجيك، أوزبك، ومقاتلين من جنسيات فرنسية وعربية، وعليه بات واضحاً بأن الحكومة تعمل على تقليم القيادات الجدلية بالنسبة للدول، والإبقاء على الدمج الهادئ داخل المؤسسات العسكرية دون مناصب كبرى.
حقوق دستورية!
في وقت قررت الإدارة الجديدة في سوريا دمجها للمقاتلين الأجانب ضمن صفوف الجيش السوري، اعتُبر ذلك تمهيداً دستورياً لتجنسيهم، إذ يشكل الانتساب للجيش أحد النقاط الرئيسية للمجنسين في معظم دول العالم، إلا أن غياب الآلية الخاصة بتجنيس المقاتلين الأجانب ومستقبلهم دستورياً يزيد من المخاوف لديهم بالانتماء، لا سيما في ظل وجود ضغوطات دولية بخصوص مصيرهم، وعدم استقبالهم من بلدانهم الأصلية كونهم مصنفين بالإرهاب، إضافة إلى غياب الشفافية الحكومية بطريقة تجنيسهم، وهو ما تحكمه العديد من العوامل الخاصة بفراغ السلطة التشريعية، ورغم ذلك تواجه المسألة تعقيداً حول آلية التجنيس، إذ تشير التقديرات إلى أكثر من 5000 مقاتل أجنبي دون عائلاتهم، وهي أعداد تتضاعف بالتقادم مع السنوات، ما يمكن أن يخلق مشكلة ديمغرافية في الداخل السوري مالم يدرس الملف تشريعياً بعناية.
يبدو واضحاً أن خيارات الحكومة السورية الانتقالية تجاه المقاتلين الأجانب محفوفة بالمخاطر، كبالع الموس على الحدين، إلا أنه من الواضح أيضاً التوجه الحكومي بتحويل المقاتلين إلى أفراد مدمجين بهدوء في صفوف الجيش، دون أن يتحول تواجدهم لزعامات عسكرية كما حصل في مخيم الفرنسيين بقيادة “عمر أومسين” والذي استعصى عسكرياً على الأمن العام، أو إظهار نشاطات إعلامية عسكرية لهم كما هو حال “أبو دجانة التركستاني”، فيما يبقى التلويح بالعمل العسكري، والاعتقال خياراً حاضراً في حال استعصى أحدهم عن المثول لتوجيهات الإدارة الجديدة.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










