تشهد المحافظات السورية تنامياً ملحوظاً لحملات جمع الأموال تحت عناوين إنسانية وتنموية، أبرزها “أبشري حوران”، “أربعاء حمص”، و”حملة دير العز”. وقد دعمت السلطات السورية المؤقتة هذا التوجه عبر إنشاء صندوق التنمية بمرسوم رئاسي لتعزيز التكافل وتنظيم المبادرات. وخلال أقل من ساعة جمع الصندوق أكثر من 61 مليون دولار من نحو 589 متبرعاً، فيما حققت “أبشري حوران” 37 مليون دولار بأسبوع، و”أربعاء حمص” نحو 12 مليون دولار، ما يعكس قدرة المجتمع على الحشد السريع، رغم أن الأرقام تبقى محدودة أمام احتياجات إعادة الإعمار المقدَّرة بعشرات المليارات.
لكن هذه الظاهرة تطرح أسئلة جوهرية حول الأهداف الحقيقية للحملات: هل تسعى لتعويض غياب الدعم الدولي أم لترسيخ الاعتماد على التمويل الداخلي؟ كما يثار الجدل حول آليات الشفافية والرقابة وضمان التوزيع العادل، إضافة إلى كيفية إدارة الأموال داخل الصندوق وربطها بالجاليات السورية في الخارج. ويخشى مراقبون من أن تتحول إلى مبادرات متفرقة دون تنسيق وطني أو أثر ملموس، ما يطرح تحديات تتعلق بمستقبل التنمية المستدامة وإعادة الإعمار، واحتمال نشوء تجربة “اقتصادية ـ اجتماعية” محلية جديدة أو مجرد حلول إسعافية مؤقتة.
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد العمر لـ”963+”: “منذ أكثر من عقد، تعيش سوريا أزمة اقتصادية خانقة ترافقت مع دمار واسع للبنية التحتية وتراجع مستوى الخدمات الأساسية. ومع غياب خطة دولية واضحة لإعادة الإعمار، وجدت المجتمعات المحلية نفسها مضطرة للبحث عن حلول بديلة. وهكذا انطلقت الحملات الأهلية لجمع الأموال، إذ باتت المجتمعات المحلية، في مختلف المدن والقرى، تتجه إلى الاعتماد على نفسها لمواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية”.
اقرأ أيضاً: الموازنة العامة السورية بين أرقام الماضي وأحلام المستقبل – 963+
ويشير العمر إلى أن العمل الأهلي في سوريا تحول من مبادرات فردية إلى حراك جماعي يجمع ملايين الدولارات بسرعة، معبراً عن وعي متزايد بأهمية التكافل المجتمعي والاعتماد على الحلول الداخلية في ظل غياب دعم دولي لإعادة الإعمار، لكنه لا يغني عن مشاريع شاملة. ويستشهد بتجربة “صندوق التنمية في شمال سوريا” (2020) الذي جمع 6.2 مليون دولار عام 2023 لصالح مشاريع صغيرة ومتوسطة في الزراعة والصناعة والخدمات، موضحاً أن توسيع هذه التجربة على نطاق أوسع يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في حجم الفجوة بين الموارد المحلية واحتياجات إعادة بناء البنية التحتية الوطنية.
لماذا الآن؟ خلفية اقتصادية تحفّز المبادرات المحلية
يقول محمود العبود، أكاديمي اقتصادي لـ”963+”: “حملات جمع الأموال في سوريا تأتي في سياق الانهيار الاقتصادي المستمر منذ 2011، مع تراجع حاد في الناتج المحلي وفقدان قدرات الدولة وضعف البنية التحتية، ما خلق فجوة تمويلية ضخمة لإعادة الإعمار والخدمات الأساسية. ويربط العبود هذه المبادرات بخيار سياسي للحكومة لتقليل الديون الخارجية واعتماد التمويل الداخلي، وبواقع عملي يتمثل في غياب خطة دولية واضحة لإعادة الإعمار، ما يجعل المبادرات المحلية حلاً تراكمياً للسوريين. ورغم أهميتها في تعزيز التماسك الوطني، فإن هذه التبرعات محدودة الأثر ولا تغطي الاحتياجات الكبرى، لذا فإن نجاحها يعتمد على الشفافية والإدارة المهنية، وإلا فإنها قد تتحول إلى توزيع غير متكافئ للموارد يوازي الحماس الأولي فقط دون معالجة الأزمات الهيكلية”.
ماذا يقول الخبراء؟ بين الإيجابيات والمخاطر
يرصد خليل عزام، صانع محتوى اقتصادي، انقساماً في الرأي حول حملات التمويل المحلية في سوريا، بين مؤيد يرى فيها وسيلة لتسريع تنفيذ مشاريع خدمية صغيرة ومتوسطة، وتعزيز التماسك الاجتماعي والشعور بالملكية المجتمعية، وتجنب قروض خارجية مشروطة تُثقل الأجيال المقبلة، وبين منتقد يحذر من حدود التمويل المحلي مقارنة بالاحتياجات الضخمة للبنية التحتية، بحسب ما يقول لـ”963+”.
ويشير الإعلام الرسمي إلى هذه الحملات كحركة مجتمع مدني وتضامن أهلي، تمكّن المواطنين من المشاركة المباشرة في ترميم المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه دون انتظار الدعم الدولي.
من جهة أخرى، يشدد الباحثون على المخاطر المرتبطة بالحملات، أبرزها: محدودية التمويل بالنسبة للمشاريع الكبرى، غياب الشفافية والمساءلة ما قد يحوّل الموارد بعيداً عن أهدافها، تأثيرها على مصداقية الدولة أمام المانحين الدوليين، وخطر التوزيع الجغرافي غير العادل الذي قد يهدد التماسك الوطني. وهذه القراءة تعكس الفراغ الدولي في دعم الإعمار، حيث تظل البيئة الدولية للتمويل متحفظة ومعقدة، ما يجعل المبادرات المحلية حلاً تكميلياً لكنه غير كافٍ لمواجهة حجم التحديات.
اقرأ أيضاً: المركزي السوري: العملة الجديدة لن تحمل صوراً لأشخاص – 963+
هل نجحت التجارب الدولية التي اعتمدت على التبرعات المحلية والصناديق الوطنية؟
يقول الباحث الاقتصادي زبير فاضل لـ”963+”: إن دروس تجارب الدول الإقليمية المشابهة لوضع سوريا ما بعد النزاع ـ مثل لبنان والعراق ـ توضح المخاطر المتعلقة بهذه الطريقة، والسياسات الجزئية التي تعزّز مجموعات مصالح على حساب المصلحة العامة.
في لبنان بعد الحرب الأهلية (1975–1990)، بدأت التجربة في أوائل التسعينيات بإنشاء مجلس الإنماء والإعمار لتمويل إعادة الإعمار. لكن غياب التمويل الدولي الكبير دفع إلى إطلاق حملات داخلية ودعم من الجاليات اللبنانية في الخارج. والنتيجة: ساعدت الأموال المحلية في إعادة بعض الخدمات الأساسية، لكن اعتماد الدولة اللاحق على القروض الخارجية الضخمة (مؤتمرات باريس 1 و2 و3) أغرقها بالديون، واتضح أن التمويل الداخلي وحده لم يكن كافياً.
أما العراق بعد 2003، فقد واجه تحديات مشابهة لما تواجهه سوريا اليوم. إذ عجزت الخطط الدولية (برنامج إعادة الإعمار الأميركي) عن تلبية كل الاحتياجات، فظهرت مبادرات محلية مثل صناديق إعادة إعمار المحافظات بتمويل من الحكومة المركزية والمجتمع المحلي. النتيجة: ساهمت هذه الصناديق في مشاريع خدمية محلية صغيرة (مدارس، طرق، مياه)، لكنها لم تستطع سد الفجوة الكبيرة لإعادة إعمار البنية التحتية، وظلت رهينة الفساد وضعف الرقابة.
ويضيف فاضل: “القاسم المشترك بين كل هذه التجارب هو أن الحملات المحلية كانت مفيدة على مستوى المشاريع الصغيرة والمتوسطة (مدارس، مراكز صحية، طرق محلية)، لكنها لم تكن كافية لإعادة بناء البنية التحتية الوطنية (كهرباء، موانئ، مطارات، شبكات مياه). النجاح كان مرهوناً بالحوكمة والشفافية؛ فعندما وُجدت آليات رقابة مستقلة كانت النتائج أفضل. وفي النهاية، لم يكن هناك مفر من الحاجة إلى دعم خارجي (منح أو قروض) لإعادة الإعمار الشامل”.
وبالتالي، تُظهر الخبرة الدولية في برامج إعادة الإعمار أن نجاح أي صندوق تمويل مركزي يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية: “موارد كافية ومستدامة، آليات حوكمة وشفافية مستقلة (مراقبة خارجية، نشر تقارير، منصات متابعة)، قدرة مؤسسية على التخطيط وإدارة المشاريع.
وغياب أي من هذه العناصر يجعل الصندوق عرضة للانتقادات والفشل في تحقيق أثر واسع”.
ويرى فاضل أنه بين الحاجة المُلِحّة والدور الأهلي المتنامي، تبدو الحملات الداخلية في سوريا أقرب إلى استجابة اضطرارية فرضتها الظروف، أكثر من كونها خياراً استراتيجياً مدروساً. فالمبالغ التي جُمعت تعكس قدرة المجتمع على التكافل، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدود هذا الجهد الشعبي في مواجهة التحديات الهائلة لإعادة الإعمار.
وبينما يرحّب كثيرون بروح المبادرة التي أظهرتها هذه الحملات، يظل السؤال مفتوحاً حول مستقبلها: هل ستتطور إلى أدوات مستدامة وشفافة ضمن خطة وطنية شاملة، أم ستبقى حلولاً مؤقتة تملأ فراغاً يطول انتظاره حتى تدخل الأطراف الإقليمية والدولية على خط المساهمة في إعادة البناء؟
اقرأ أيضاً: الاستثمارات في سوريا: بين الوعود الاقتصادية والمخاطر السياسية – 963+
شهادات من الميدان حول دوافع التبرع في الحملات المحلية
مع تصاعد الحملات الأهلية لجمع التبرعات في الداخل السوري، برزت تساؤلات حول ما الذي يدفع الناس للتبرع: هل هي الثقة بالمبادرات المحلية، أم الشعور بالمسؤولية، أم غياب البدائل؟
يقول أحمد الخطيب وهو موظف حكومي من دمشق لـ”963+”: “أتبرع لأنني أثق بالقائمين على المبادرة، أعرف بعضهم شخصياً وأرى أن الأموال ستصل بسرعة إلى الناس المحتاجين، وهذا أهم من أي جهة رسمية. من واجبنا أن نساعد أهلنا وجيراننا، فنحن جميعاً في الظروف نفسها”.
رنا العلي وهي مدرّسة من حمص تقول لـ”963+”: “الموضوع بالنسبة لي مسؤولية أخلاقية. لا أستطيع أن أرى جيراني يعانون دون أن أشارك ولو بمبلغ بسيط. إذا لم نقف مع بعضنا فلن يقف معنا أحد”.
بينما يشير محمود السالم وهو تاجر من درعا إلى أنه “لا توجد بدائل حقيقية؛ الدولة بطيئة والإغاثة الدولية شبه غائبة، لذلك تبقى الحملات المحلية هي الحل الوحيد”.
ويضيف أبو محمود أحد الداعمين لحملة أبشري حوران لـ”963+”: “شعرنا أننا إذا لم نتحرك بأنفسنا فلن يتحرك أحد. تبرع الناس بما استطاعوا: من المزارع إلى التاجر إلى المغترب، وهذا ما صنع الفارق”.
وتقول ليلى إبراهيم، وهي مغتربة في ألمانيا لـ”963+”: “تبرعي وسيلة للبقاء على صلة مع أهلي في الداخل. أشعر أنني ما زلت جزءاً من المجتمع حتى وأنا بعيدة. تبرعي أقل ما يمكن أن أقدمه لأهلي”.
ويفضل خالد عبدو وهو رجل أعمال سوري في الخليج، التبرع للمبادرات المحلية الصغيرة “لأنها أوضح وأكثر شفافية من بعض المنظمات الكبيرة. أرى النتائج بالصور والتقارير، وأشعر أن هذا واجب أخلاقي تجاه بلدي”.
بينما تتبرع نسرين الحسن وهي طالبة جامعية في تركيا، بدافع عاطفي. “الغربة صعبة وأشعر بالعجز، لكن عندما أساهم ولو بمبلغ بسيط، أحس أنني أؤدي واجبي تجاه وطني”.
وبين الداخل والخارج، تتكرر ثلاث كلمات أساسية: الثقة، المسؤولية، غياب البدائل. فالمتبرعون يرون في الحملات المحلية المتنفس الأنجع للتكافل، والوسيلة الأقرب لمدّ يد العون في غياب الحلول الرسمية أو الدولية.
توصيات مبدئية
يقدّم المحامي خالد الأحمد في تصريحات لـ”963+” عدة توصيات لنجاح هذه الحملات واستمرارها كرافد تنموي للاقتصاد الوطني وضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها، أبرزها: “نشر قوائم مفصّلة بالمشاريع والتخصيصات، عبر قاعدة بيانات مفتوحة تُبيّن كل مشروع وميزانيته والجهة المنفذة ومواعيد الإنجاز. فالشفافية تعزّز ثقة المتبرعين والمانحين المحتملين، إنشاء هيئات مستقلة للرقابة، بمشاركة منظمات محلية ودولية، لتقليل مخاطر الانحراف والفساد، ربط الحملات بخطط تنموية متوسطة وطويلة الأمد، لتجنّب التشتت والتكرار، اعتماد تواصل دولي مدروس بدلاً من الانغلاق والاعتماد المطلق على التمويل المحلي. إذ يمكن لمبادرات الشفافية أن تبني جسوراً مع مانحين إقليميين ودوليين مشروطين بضمانات الحوكمة”.
الحملات الداخلية لجمع التبرعات في سوريا تحولت من مبادرات خيرية عابرة إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية ذات أبعاد إنسانية وسياسية، تسد بعض الفجوات التي تعجز الدولة والمنظمات الدولية عن معالجتها، لكنها تثير تساؤلات حول استدامتها وشفافيتها وإمكانية تحويلها إلى أداة منظمة ضمن إطار وطني شامل لإعادة الإعمار، وهل ستصبح مؤسساتية طويلة الأمد تُدار بشفافية وتخطيط أم تظل رد فعل مؤقتاً على الفراغ الاقتصادي والإنساني، وما إذا كانت ستبقى فعاليات أهلية أم تتحول إلى قاعدة لمشروع نهضوي محلي يقود البلاد نحو التعافي.










