لأكثر من عقدين كاملين، سادت في الأوساط “السُنية المحافظة” في منطقتنا نظرية سياسية مفادها “ثمة تحالف مُحكم بين الاستراتيجيات السياسية والعسكرية الغربية والشيعة في منطقتنا، الشيعية السياسية منها بالذات”، قائمة على مناهضتهما الثقافية والإيديولوجية والسياسية والأمنية الثنائية والمشتركة لكل البيئة الاجتماعية والسياسية “السُنية” في المنطقة، والعالم.
كان حاملو تلك النظرية يروجون مزاعم مثل “مراكز القرار في الدول الغربية تملك ثأراً تاريخياً مع البيئة السُنية، وتستغل الاختلافات الطائفية مع الشيعة لمحاربتها”.. “كانت الشيعة السياسية، متمثلة بالنظام الإيراني، تناهض الدول والحركات السُنية في دول المنطقة، مدعومة بشكل غير معلن، وعلى الدوام، من الدول الغربية، بدليل عدم صِدامهما”.. “لم يسبق أن هاجمت إيران، أو أي من أذرعها، أية مصالح غربية، والعكس صحيح”.
إلى جانب “ترسانة الأقاويل العامة” التي استندت إليها تلك النظرية المتخيلة، تراكمت حوادث سياسية متتالية منذ أوائل القرن، اُستخدمت كـ”إثباتات” عملية على الفحوى النظري. فقد أُسقط نظام صدام حُسين “السُني” من قِبل تحالف دولي “غربي”، ومن قبله حُطم نظام حركة طالبان “السُنية” في أفغانستان بالأساس نفسه، ما اعتبره دعاة تلك النظرية خدمة غير مجانية للنظام الإيراني، الواقع بين النظامين، والمناهض التقليدي لهما. في ذلك الوقت سُمي التناغم الإيراني مع الدول الغربية، وبالذات الولايات المتحدة، بـ”التخادم غير المعلن”.
من بين جنبات الحوادث السياسية الكبرى، كانت تلك النظرية تسترجع وتراكم أحداثاً مثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري “السُني”، على يد تنظيم سياسي “شيعي”، واغتيال عشرات الآلاف من السوريين “السُنة” بيد نظام سياسي ذو خلفية طائفية قريبة من الشيعية السياسية، وتعرض “السُنة العراقيون” لعمليات قمع سياسي ومجتمعي، من قِبل مجموعة الأحزاب والتنظيمات المسلحة المُقربة من إيران.. إلخ.
ترافق ذلك البناء النظري/السياسي بضخ إعلامي هائل، كانت مجموع المؤسسات والمنابر الإعلامية الوطنية والإقليمية التابعة والمقربة من حركة الإخوان المسلمين تروجه وتستخدمه كأداة لإثارة النعرات الطائفية الشعبوية، بغية إعادة ربط جزء من القواعد الاجتماعية السُنية بالإسلام السياسي، الإخواني والسلفي منه تحديداً.
خلق ذلك ما أسمته الأدبيات السياسية والأمنية “المظلومية السُنية”، التي صارت خلال سنوات قليلة وقوداً لأعتى أشكال الإرهاب، المبني بالأساس على معادة طائفية مناهضة للشيعة في منطقتنا، وأخرى دينية معادية للغرب، دوله وثقافته وقيمه ومجتمعاته. فحسُّ الاستهداف الثنائي، الشيعة وباقي “الأقليات” الطائفية الإسلامية في الداخل، والغرب في الخارج، كان يغالب كل تلك التنظيمات الراديكالية، سواء السياسية أو المسلحة.
اليوم، لا تبدو تلك النظرية قابلة للبقاء والدفاع عن نفسها، وبحكم الوقائع التي تجري منذ قرابة عام وحتى الآن.
فإسرائيل، ومن خلفها مجموعة من الدول الغربية الداعمة لها، قضت على أركان أساسية من التحالف الذي شيده النظام الإيراني “محور الممانعة” طوال نصف قرن، والذي كان في بنيته العقائدية والخطابية شيعياً إلى حد بعيد. فقد شلت الآلة العسكرية الإسرائيلية القدرات العسكرية لحزب الله، وأخرجته من موقع القوة الذي كان فيه داخل المعادلة اللبنانية. وساعدت إسرائيل نفسها في إسقاط النظام السوري السابق، سواء عبر تدميرها للقدرات الاستراتيجية لجيش النظام السوري السابق، أو خلق تغطية سياسية دولية لإسقاطه. الأمر نفسه يحدث في اليمن، من خلال الهجمات المركزة على مواقع وقدرات “تنظيم الحوثي” المقرب من إيران. أو من خلال تهديد فصائل الحشد الشعبي في العراق.
على أن مجريات “تهديد إيران” شبه اليومية من قِبل الإدارة الأميركية الراهنة، وتحديد سقف زمني للتفاوض السياسي معها بشأن برنامجها النووي وأسلحتها الباليستية، وإمكانية شنّ حرب ضدها فيما لو فشلت المفاوضات، تشكل أكبر ضربة لتلك النظرية التي قالت طويلاً بوجود تحالف مُحكم بين المنظومة السياسية الغربية وبين إيران وقوى الإسلام السياسي الشيعية.
يكشف هذا التضعضع النظري والسياسي لتلك الرؤية التي سادت أواسط كثيرة في بلدان ومجتمعات منطقتنا لأكثر من عقدين زمنيين ثلاث حقائق عن مجمعاتنا وقواها السياسية: فهي مجتمعات وقوى سياسية شديدة القابلية لأني ترمي هزائمها العسكرية وفشل مشاريعها السياسية والتنموية على نظريات متخيلة، تنسج من ذهنها ما تعتقده تحالفات ومخططات مفترضة، فقط لخلق رضاً عن النفس وراحة بال مستدامة. كذلك يثبت هذا التفكك تجاوز الجزء الآخر من العالم لما تعتبره مجتمعاتنا “جوهر الحياة”، أي الصراعات السياسية والعسكرية القائمة على أسس الهويات والعقائد الدينية. أخيراً، فإن تلاشي تلك النظرية يفضح البنيان النظري والفكري لكل ما هو “إسلام سياسي”، لأنه يثبت إن هذا الأخير قائم على مجموعة من “الأكاذيب”، ليس إلا.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










