تبدو عودة الولايات المتحدة والتحالف الدولي إلى تكثيف عمليات مطاردة القيادات الجهادية في سوريا امتدادًا مباشرًا لتحول أعمق وأكثر تعقيداً في طبيعة التهديدات داخل البلاد، أكثر مما هي مجرد موجة عمليات عسكرية جديدة أو رد فعل ظرفي على تطورات ميدانية محدودة. فالمشهد السوري، بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، لم يعد يدور حول تنظيمات تمتلك سيطرة جغرافية واسعة كما كان الحال في سنوات صعود تنظيم “داعش” بين عامي 2014 و2017، بل بات قائماً على بنية شبكية معقدة تتألف من خلايا صغيرة متنقلة، وقادة يتحركون ضمن مساحات جغرافية وأمنية رخوة، ما يمنحهم قدرة مستمرة على إعادة إنتاج التهديد كلما تراجع الضغط الأمني أو تقلصت وتيرة الملاحقة.
“منظومة متعددة الطبقات”
هذا التحول البنيوي في طبيعة التهديد يعيد تعريف مفهوم “المعركة ضد الإرهاب” في سوريا، إذ لم تعد المواجهة مع كيان واحد واضح المعالم، بل مع منظومة متعددة الطبقات تتداخل فيها التنظيمات الجهادية التقليدية مع شبكات محلية وخلايا مستقلة نسبياً، تعمل في بيئات أمنية غير مستقرة تمتد من البادية السورية وصولاً إلى بعض مناطق الشمال الغربي، حيث تتقاطع خطوط النفوذ بين قوى محلية وإقليمية ودولية.
في هذا السياق، يوضح الخبير الأمني والاستراتيجي العميد فايز الأسمر في تصريحات لـ”963+” أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ، ولم تُبدّل، منذ أحداث 11 سبتمبر، استراتيجيتها القائمة على ملاحقة المطلوبين لديها، وخاصة القيادات المرتبطة بالتنظيمات الجهادية.
ويشير إلى أن هذا النهج يمثل ثابتاً استراتيجياً في العقيدة الأمنية الأميركية، سواء من خلال عمليات الاغتيال أو الاعتقال أو الإنزالات الجوية أو الضربات الدقيقة، موضحاً أن هذا النمط لم يتوقف خلال العقدين الماضيين، بل توسع ليشمل ساحات متعددة أبرزها سوريا والعراق وأفغانستان سابقاً.
ويضيف الأسمر أن استمرار هذا النهج يتجلى بوضوح في العمليات التي نفذتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من عملية قتل زعيم تنظيم “داعش” أبو بكر البغدادي في باريشا شمال إدلب عام 2019، وصولاً إلى العمليات اللاحقة التي استهدفت قيادات بارزة داخل التنظيم، مثل القيادي علي حسين العلوي، الذي تعتبره واشنطن أحد أبرز العقول التنظيمية داخل “داعش”.
ويرى أن هذه العمليات تؤكد أن إعلان نهاية التنظيم عام 2019 لم يكن سوى إعلان سياسي رمزي، بينما بقيت البنية العملياتية والاستخباراتية نشطة.
ويؤكد الأسمر أن الولايات المتحدة، رغم تقليص وجودها العسكري في سوريا وانسحابها من بعض القواعد خلال السنوات الأخيرة، لم تتراجع عن سياسة الاستهداف المباشر، بل أعادت صياغتها ضمن نموذج أكثر اعتماداً على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة.
ويشرح أن هذا التحول جاء نتيجة إدراك أميركي بأن المواجهات التقليدية واسعة النطاق أصبحت مكلفة وغير فعالة في بيئات غير مستقرة مثل سوريا، ما دفع واشنطن إلى تبني ما يمكن وصفه بـ”الضربات الخاطفة الدقيقة”.
وبحسب الأسمر، تعتمد هذه المقاربة على مبدأ استهداف “رأس الهرم التنظيمي”، إذ إن ضرب القيادات يؤدي غالباً إلى إرباك داخلي وتفكك في شبكات الاتصال والتخطيط، ما يحدّ من قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات كبرى.
لكنه في الوقت ذاته يشير إلى أن هذا النهج يتطلب منظومة استخباراتية معقدة، تشمل تتبع الاتصالات، ومراقبة التحركات، واستخدام الطائرات المسيّرة، إضافة إلى تعاون وثيق مع شركاء محليين وإقليميين ضمن إطار التحالف الدولي.
الضربات الجوية لا تحسم المواجهة
في المقابل، يقدم الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب منير أديب قراءة أكثر نقداً لهذا النهج، معتبراً في تصريحات لـ”963+” أن الاعتماد المفرط على الضربات الجوية لم يعد كافياً لتحقيق هدف تفكيك التنظيمات الجهادية على الأرض.
ويشير إلى أن هذا الأسلوب، رغم نجاحه في تصفية عدد من القيادات، لم ينجح في إنهاء البنية التنظيمية أو منع إعادة تشكلها.
ويؤكد أديب أن تجربة التحالف الدولي منذ تأسيسه عام 2014 في مواجهة تنظيم “داعش” تُظهر أن الحسم لم يكن سريعاً، إذ استمرت العمليات العسكرية لسنوات قبل إعلان هزيمة التنظيم جغرافيًا في 2017، وهو ما يعكس، بحسب تحليله، محدودية الاعتماد على الضربات الجوية وحدها دون وجود قوات برية قادرة على تثبيت المكاسب على الأرض. ويضيف أن هذا الغياب سمح للتنظيم بإعادة التموضع في مناطق مختلفة بدلًا من الانهيار الكامل.
كما يلفت أديب إلى أن التهديد الجهادي في سوريا لا يقتصر على تنظيم “داعش”، بل يشمل أيضاً تنظيمات مرتبطة بـالقاعدة، موضحاً أن مقتل زعيم التنظيم أيمن الظواهري لم يؤدِّ إلى إنهاء القاعدة أو تفكيك شبكاتها، بل استمرت في العمل ضمن بيئات متعددة حول العالم، بما فيها الساحة السورية عبر فصائل وشبكات متداخلة.
ويربط أديب بين تكثيف العمليات الأميركية في سوريا وبين إدراك متجدد لدى واشنطن بأن هذه التنظيمات استفادت من حالة السيولة الأمنية والسياسية المستمرة في البلاد، إضافة إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة، خصوصًا خلال عامي 2025 و2026، بما في ذلك التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ساهمت في إعادة توزيع الأولويات الأمنية في بعض المراحل، ما أتاح للتنظيمات فرصة لإعادة تنشيط شبكاتها.
ويشدد أديب على أن استمرار الضربات الجوية، رغم أهميتها التكتيكية، لا يمكن أن يكون حلاً نهائياً، ما لم يترافق مع استراتيجية شاملة تشمل تفكيك الشبكات الأرضية ومعالجة البيئة الاجتماعية والسياسية التي تسمح بظهور هذه التنظيمات واستمرارها. ويعتبر أن غياب هذه المقاربة الشاملة يعني استمرار دورة إعادة إنتاج التهديد.
“التنظيمات تتكيف وتعيد إنتاج نفسها”
أما الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان فيقدم قراءة مختلفة جزئياً، إذ يرى أن العمليات الأميركية في سوريا لا تمثل “عودة” جديدة للمطاردة، لأن هذه العمليات لم تتوقف أصلاً، بل هي امتداد لنهج استخباراتي-عسكري مستمر يعتمد على الاستهداف النوعي والدقيق كلما توفرت معلومات موثوقة عن أهداف محددة.
ويشير سلطان إلى أن القيادة المركزية الأميركية تواصل تنفيذ ضربات دقيقة بالتنسيق مع أطراف محلية داخل سوريا، تستهدف قيادات مرتبطة بتنظيم “داعش” وجماعات جهادية أخرى، دون الحاجة إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق. ويؤكد أن هذا النموذج قائم على الاستخبارات أكثر من اعتماده على القوة النارية، وهو ما يجعله أكثر مرونة في بيئات معقدة مثل سوريا.
ويضيف أن التنظيمات الجهادية نفسها شهدت تحولاً بنيوياً مهماً خلال السنوات الأخيرة، إذ باتت تعمل وفق نموذج هجين يجمع بين المركزية واللامركزية، مع ميل متزايد نحو اللامركزية التي تسمح للخلايا المحلية بالعمل بشكل شبه مستقل تحت مظلة فكرية وتنظيمية عامة. ويؤكد أن هذا التحول ليس طارئاً، بل يمتد إلى جذور فكرية في الأدبيات الجهادية التي طرحت مبكراً فكرة “التنظيم الشبكي” والعمل المرن.
وفي ما يتعلق باستهداف القيادات، يوضح سلطان أن هذا الأسلوب لا يؤدي إلى إنهاء التنظيمات، بل إلى إعادة إنتاجها، حيث غالباً ما تصعد قيادات بديلة أقل خبرة أو أكثر تشدداً، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل سلوك التنظيم بدل القضاء عليه. ويشير إلى أن تجربة تنظيم الدولة الإسلامية تقدم مثالاً واضحاً على هذا النمط، حيث شهد التنظيم تغيرات متكررة في القيادة دون أن يختفي فعلياً.
ويؤكد سلطان أن أي استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب يجب ألا تقتصر على استهداف القيادات، بل يجب أن تفهم كيفية إعادة إنتاج التنظيمات لنفسها، وكيفية تكيفها مع الضغوط العسكرية والاستخباراتية، لأن تجاهل هذا العامل يؤدي إلى استمرار دورة التهديد بشكل متجدد.
على الأرض، يعكس المشهد السوري بيئة أمنية بالغة التعقيد، إذ تتداخل فيها مناطق النفوذ بين قوى محلية ودولية، وتوجد فراغات أمنية واسعة خصوصًا في البادية السورية ومناطق الشمال الغربي، ما يوفر مساحة حيوية لحركة الجماعات المتشددة.
كما أن استمرار التوترات الإقليمية، وتعدد اللاعبين المحليين، يخلق حالة من السيولة الأمنية التي تعتبرها واشنطن بيئة مناسبة لإعادة تشكل التهديدات الجهادية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن العمليات الأميركية الأخيرة، سواء تلك التي استهدفت قيادات في تنظيم “داعش” داخل البادية، أو الضربات التي طالت شخصيات مرتبطة بـ”حراس الدين” في الشمال الغربي، تعكس انتقالاً نحو توسيع نطاق الاستهداف ليشمل شبكة أوسع من الفاعلين الجهاديين، وليس تنظيماً واحداً فقط.
في المحصلة، يتفق المصرحون على أن التصعيد الأميركي في سوريا ليس حدثاً منفصلاً أو عابراً، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد تقوم على مبدأ “الاستنزاف المستمر” واحتواء التهديد بدل القضاء النهائي عليه.
فبينما يرى فايز الأسمر أن الولايات المتحدة تطور أدواتها نحو استهداف أكثر دقة وذكاء، يعتبر منير أديب أن هذا النهج غير كافٍ دون معالجة جذور البيئة الحاضنة، في حين يؤكد أحمد سلطان أن طبيعة التنظيمات نفسها أصبحت أكثر مرونة وقدرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها باستمرار.










