بين صور الأمهات المثاليات على مواقع التواصل الاجتماعي، والضغوط اليومية التي تعيشها النساء في الواقع، تجد كثير من الأمهات أنفسهن في سباق لا ينتهي مع الكمال. فهل توجد حقاً “أم مثالية”؟ أم أن هذا المفهوم مجرد صورة اجتماعية مبالغ فيها تضع النساء تحت ضغط مستمر؟
توضح الأخصائية النفسية سوسن سلماوي في حديثها لـ”963+” أن مفهوم “الأم المثالية” هو في الأساس مفهوم اجتماعي أكثر منه واقعاً حقيقياً، مشيرة إلى أن الصورة المتداولة غالباً تتحدث عن أم قادرة على التوفيق بين تربية أطفالها ومتطلبات منزلها وعملها وحياتها الشخصية دون أي خطأ أو تقصير.
وتؤكد أن هذا النموذج يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن الأم إنسان يمتلك طاقة محدودة وظروفاً مختلفة عن غيره.
وترى سوسن أن هذا التصور لا يأتي من مصدر واحد، بل هو نتيجة تراكمات اجتماعية وثقافية متعددة، تبدأ من المجتمع الذي يربط قيمة الأم بحجم تضحياتها، مروراً بالتربية التي تزرع في أذهان الفتيات منذ الصغر فكرة أن الأم مطالبة بتحمل كل شيء، وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض جوانب مثالية ومفلترة من تجربة الأمومة، بينما تغيب عنها مشاهد التعب والإرهاق والتحديات اليومية.
وحول إمكانية الوصول إلى صورة الكمال التي يتم الترويج لها، تؤكد سلماوي أن ذلك غير واقعي، فالأمومة بطبيعتها مليئة بالتحديات المتغيرة والضغوط المستمرة. وتضيف أن الصور التي يتم تداولها غالباً ما تكون منتقاة بعناية، ولا تعكس الحقيقة الكاملة لما تعيشه الأمهات خلف الكواليس.
وتحذر سوسن من التأثيرات النفسية السلبية الناتجة عن هذا الضغط، إذ قد تشعر الأم بالذنب بشكل دائم أو بعدم الرضا عن نفسها مهما بذلت من جهد، وقد يتطور الأمر لدى بعض النساء إلى القلق أو الاكتئاب، ما ينعكس على ثقتهن بأنفسهن وعلى علاقاتهن مع أطفالهن وأسرهن.
وتلفت إلى أن الأمهات أنفسهن قد يساهمن أحياناً، ولو دون قصد، في تعزيز هذه الصورة المثالية من خلال المقارنات أو عرض تجاربهن بصورة تبدو خالية من المشكلات، الأمر الذي يدفع أخريات للشعور بأنهن أقل كفاءة أو نجاحاً في أداء دورهن.
كما تشير إلى أن المجتمع يضع على عاتق الأم توقعات كبيرة، أبرزها أن تكون صبورة دائماً، وألا تخطئ في تربية أطفالها، وأن تهتم بجميع التفاصيل دون تقصير، بل وألا تمنح نفسها وقتاً خاصاً على حساب واجباتها الأسرية، وكأن المطلوب منها أن تكون مثالية في كل الأوقات.
وترى أن التخفيف من هذه الضغوط يبدأ بنشر الوعي بأن الأم ليست آلة، بل إنسانة لها مشاعر وحدود وقدرات مختلفة. كما تدعو إلى مشاركة تجارب الأمومة الحقيقية بكل ما تحمله من نجاحات وإخفاقات، وتعزيز ثقافة الدعم والتفهم بدلاً من المقارنة وإطلاق الأحكام.
وتؤكد سوسن أن مفهوم “الأم الجيدة” لا يمكن أن يكون ثابتاً أو موحداً، فلكل امرأة ظروفها الاجتماعية والاقتصادية الخاصة، وبالتالي فإن تقييم الأمومة يجب أن يكون أكثر مرونة وإنصافاً، بعيداً عن المعايير الصارمة التي لا تراعي اختلاف الواقع بين أسرة وأخرى.
وفي ختام حديثها، وجهت سماوي رسالة إلى كل أم تشعر بالتقصير بسبب الصور المثالية المنتشرة، قائلة: “لستِ مطالبة بأن تكوني كاملة، يكفي أنك تحاولين وتحبين أبناءك وتبذلين ما تستطيعين. فالأمومة الحقيقية ليست خالية من الأخطاء، بل هي رحلة مليئة بالتعلم والتجربة والجهد الصادق”.
فبين الكمال المتخيَّل والأمومة الواقعية، تبقى الحقيقة الأهم أن الطفل لا يحتاج إلى أم مثالية بقدر ما يحتاج إلى أم حاضرة، محبة، تبذل أفضل ما لديها ضمن ظروفها وإمكاناتها.










