تعود قضية العدالة الانتقالية في سوريا إلى واجهة المشهد العام مع تصاعد الاحتجاجات والوقفات الشعبية في عدد من المناطق السورية، حيث يطالب المتظاهرون بمحاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات وجرائم خلال عهد النظام السابق، ورفض أي محاولات لإعادة تأهيل شخصيات مرتبطة بتلك الانتهاكات قبل تحقيق العدالة وكشف الحقيقة.
وفي المقابل، تؤكد السلطات السورية أن المحاسبة ليست مجرد مطلب شعبي، بل التزام رسمي وأحد المرتكزات الأساسية لبناء دولة القانون والمؤسسات، مشددة على أن المساءلة يجب أن تقوم على المسؤولية الجنائية الفردية لا على العقاب الجماعي أو الانتقام.
كما تواصل المؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين أعمالها بالتنسيق مع الجهات القضائية والأمنية، وسط دعوات محلية ودولية إلى تعزيز الشفافية وتسريع إجراءات التحقيق وكشف مصير المفقودين والمختفين قسراً.
وبين الضغوط الشعبية المطالِبة بخطوات أكثر سرعة ووضوحاً، والتحديات القانونية والمؤسسية التي تواجه دولة خارجة من سنوات طويلة من النزاع والانتهاكات، يبرز سؤال جوهري حول كيفية تحقيق معادلة دقيقة تضمن محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنصاف الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب، من دون الانزلاق إلى الانتقام أو فتح الباب أمام جولات جديدة من الانقسام والاحتقان المجتمعي.
العدالة أولاً… لا الانتقام
يقول البروفيسور حسن عبدالله الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، في حديثه لـ”963+”، إن تصاعد التظاهرات المطالِبة بمحاسبة المتهمين بالانتهاكات من عناصر الشبيحة السابقين يأتي نتيجة تراكم معاناة الضحايا وأسرهم على مدى سنوات طويلة، إضافة إلى ارتفاع سقف التوقعات بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا.
ويشير الدعجة إلى أن كثيراً من المواطنين يرون أن تحقيق العدالة يجب أن يكون من أولويات المرحلة الجديدة، ولذلك فإن أي تأخير في إجراءات المحاسبة قد يُفسَّر لدى البعض على أنه جزء من الإشكالات السياسية أو على أنه بطء في الاستجابة لمطالب الضحايا. ومع ذلك، يلفت إلى أن هذا لا يعني بالضرورة غياب الثقة الكامل بمسار العدالة، بل يعكس حالة من القلق والترقب والرغبة في رؤية خطوات ملموسة تؤكد جدية الدولة والمؤسسات المعنية في التعامل مع هذا الملف.
وفي ما يتعلق بمسؤولية التأخر في المحاسبة، يرى الدعجة أنه لا يمكن تحميلها لطرف واحد فقط، إذ تتحمل الدولة مسؤولية توفير البيئة القانونية والمؤسسية اللازمة، بينما يقع على عاتق القضاء القيام بإجراءات التحقيق والمحاكمة وفق الأصول القانونية. ويضيف أنه لا يمكن في الوقت ذاته تجاهل تعقيدات المرحلة الانتقالية، حيث تواجه الدول الخارجة من النزاعات تحديات كبيرة تتعلق بجمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات الفردية، وإعادة بناء المؤسسات القضائية والأمنية.
ويتابع الدعجة بالقول إن تجارب العدالة الانتقالية في العديد من دول العالم تُظهر أن تحقيق العدالة الشاملة غالباً ما يحتاج إلى سنوات وليس إلى أشهر. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن تحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب دون الانزلاق إلى الانتقام يقتضي الالتزام بمبدأ سيادة القانون والمحاكمات العادلة، بحيث تتم محاسبة المسؤولين بناءً على الأدلة والإجراءات القضائية السليمة، لا على أساس الاتهامات العامة أو الرغبة في الثأر.
كما ينوه إلى أن غياب العدالة أو بطء تحقيقها قد يؤدي إلى تنامي الاحتقان الاجتماعي وفقدان الثقة بالمؤسسات، وربما يدفع بعض المتضررين إلى البحث عن وسائل فردية للانتقام، وهو ما يهدد السلم الأهلي.
ومن هنا، يعتقد الدعجة أن هناك أهمية كبيرة لإنشاء آليات شفافة تشمل لجان تحقيق مستقلة، وقضاءً نزيهاً، وبرامج لجبر الضرر وتعويض الضحايا، مع ضمان حق الدفاع ومنع التهم الكيدية أو التصفيات الشخصية. كما يرى أن تحقيق التوازن بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي يتطلب اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين المحاسبة والمصالحة والإصلاح المؤسسي، بما يضمن إنصاف الضحايا، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، ومنع تكرار الانتهاكات في سوريا المستقبل، لأن العدالة المستدامة، بحسب تعبيره، هي التي تؤسس لدولة القانون لا لدورات جديدة من الصراع والانتقام.
لا استقرار بلا عدالة انتقالية
من جانبه، يقول أمين محمد بشير، المحامي والسياسي اللبناني، في حديثه لـ”963+”، إنه من الطبيعي أن نشهد اليوم تصاعداً في التظاهرات المطالِبة بمحاسبة المتهمين بالانتهاكات خلال المرحلة السابقة، لأن المجتمع السوري عاش سنوات طويلة من العنف والاعتقالات والانتهاكات، ولا تزال آلاف العائلات تنتظر معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا.
ويشير بشير إلى أنه عندما يشعر الناس بأن المحاسبة تسير ببطء، أو أنها غير واضحة، تتراجع ثقتهم بقدرة الدولة على تحقيق العدالة، فيلجأون إلى الضغط الشعبي عبر التظاهر السلمي للمطالبة بتسريع هذا المسار.
لكن، في المقابل، يلفت إلى ضرورة إدراك أن العدالة الانتقالية بطبيعتها عملية معقدة. ويضيف أن الدولة تواجه تحديات كبيرة، تبدأ من إعادة بناء المؤسسات القضائية، ولا تنتهي عند جمع الأدلة، وحماية الشهود، وضمان محاكمات تستوفي المعايير القانونية. لذلك، يرى أن التأخير قد يكون مفهوماً في بعض جوانبه، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإطالة أمد الإفلات من العقاب.
ويعتبر بشير أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحقيق معادلة دقيقة، إذ لا يجوز أن يُترك من ارتكب جرائم وانتهاكات خارج دائرة المحاسبة، وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تتحول المطالبة بالعدالة إلى انتقام أو محاكمات شعبية أو اتهامات عشوائية.
ويتابع بالقول إن العدالة لا تقوم على الانطباعات أو الرغبة في الثأر، وإنما على الأدلة، واستقلال القضاء، واحترام حقوق جميع الأطراف، لأن العدالة التي تُبنى على القانون وحدها هي التي تؤسس لدولة مستقرة.
كما يحذر بشير من أنه إذا شعر الضحايا بأن العدالة غائبة أو بطيئة إلى حد كبير، فهناك خطر حقيقي يتمثل في فقدان الثقة بالمؤسسات، وارتفاع منسوب الاحتقان، وربما ظهور دعوات للأخذ بالثأر أو تصفية الحسابات، وهو ما يجب تجنبه بكل الوسائل.
لذلك، يرى أن على الدولة أن تكون شفافة مع المواطنين، وأن تعلن بوضوح مسار التحقيقات والمحاكمات، وأن تؤكد أن كل من تثبت مسؤوليته سيُحاسب وفق القانون، من دون استثناء، ومن دون تعميم الاتهامات على أي فئة أو جماعة.
وفي ختام حديثه، يعتقد بشير أن مستقبل سوريا لن يُبنى لا بالنسيان ولا بالانتقام، وإنما بعدالة انتقالية حقيقية تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القضاء، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات. ويخلص إلى أن المواطن عندما يشعر بأن القانون هو المرجع الوحيد، تصبح العدالة عاملاً لتعزيز السلم الأهلي، لا سبباً لفتح جراح جديدة.










