يُعد نهر الفرات أحد أهم الأنهار الدولية في الشرق الأوسط، إذ ينبع من تركيا ويمر بسوريا وصولاً إلى العراق، ما جعله محور اتفاقيات مائية وخلافات سياسية مستمرة بين الدول الثلاث. ومع تفاقم التغير المناخي وتراجع الأمطار وتوسع المشاريع المائية، بات ملف الفرات قضية استراتيجية لسوريا المرتبطة به في مياه الشرب والري والطاقة. وتشمل أبرز الاتفاقيات تفاهم 1987 بين سوريا وتركيا حول إطلاق 500 متر مكعب/ثانية عند الحدود، واتفاق 1990 بين سوريا والعراق لتقاسم الوارد المائي بنسبة 42% لسوريا و58% للعراق، إلا أن الالتزام بهذه التفاهمات ظل محل جدل متكرر مع فترات الجفاف وتراجع التدفقات.
ملف الفرات خارج المساومات
يؤكد حسام نجار، المحلل السياسي المقيم في بولندا، أن ملف المياه في المنطقة لم يعد مجرد قضية خدمية أو اقتصادية، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بالأمن المائي والغذائي للسكان، مشدداً على أن هذا الملف لا يجوز أن يخضع للمساومات أو التنازلات السياسية.
ويقول نجار لـ”963+” إن الأمن المائي والغذائي أصبح أكثر أهمية في المرحلة الحالية، لأنه يرتبط بحياة الناس ومعيشتهم اليومية، الأمر الذي يستوجب وجود حدود دنيا لا يمكن التنازل عنها، داعياً الحكومة السورية إلى إدراك حجم المخاطر المترتبة على هذا الملف والعمل على إيجاد تفاهمات ثلاثية بين دول حوض الفرات في المرحلة الأولى، وصولاً إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف وفقاً للقوانين والقرارات الدولية الناظمة لتقاسم المياه المشتركة.
ويضيف أن العودة إلى النصوص الدولية والمعاهدات الخاصة بالمياه أصبحت ضرورة حتمية، ولا سيما بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، موضحاً أن على الحكومة السورية الاستعانة باختصاصيين وخبراء قانونيين لدراسة الاتفاقيات والقوانين الدولية المتعلقة بالمياه وآليات تفعيلها والاستفادة منها في حماية الحقوق المائية السورية.
ويشير نجار إلى أنه لا يمكن الاعتماد فقط على التعاون أو الاتفاقات الثنائية السابقة مع تركيا، لافتاً إلى ضرورة البحث عن حلول قانونية أكثر رسوخاً واستدامة، منوهاً إلى أن المشهد التركي أكثر تعقيداً من اختزاله في حكومة واحدة أو تيار سياسي واحد، مؤكداً أن “ليست كل تركيا هي جماعة أردوغان، وليست كل تركيا ترغب بالتعامل مع الدولة السورية بالطريقة ذاتها”.
ويؤكد أن منطقة الفرات تشكل أساس الثروة الزراعية السورية، وأن انتظام جريان مياه النهر يعد شرطاً أساسياً لاستمرار النشاط الزراعي وتأمين الأمنين المائي والغذائي في سوريا، الأمر الذي يجعل الحفاظ على التدفقات المائية المنتظمة قضية استراتيجية بالنسبة للدولة السورية.
وحول الاتفاقيات المائية السابقة، يوضح نجار أن التفاهمات التي أبرمت بين سوريا وتركيا والعراق بدت في كثير من الأحيان وكأنها حبر على ورق، مشيراً إلى أن تركيا تعهدت عام 1987 بالسماح بمرور 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات إلى الأراضي السورية، فيما جرى في الوقت ذاته التوصل إلى اتفاق ثنائي بين سوريا والعراق يقضي بتمرير 58 بالمئة من هذه الكمية إلى العراق، على أن تبقى النسبة المتبقية داخل الأراضي السورية.
ويضيف أن الجانب التركي قلص لاحقاً، ونتيجة اعتبارات سياسية ومخاوف مرتبطة بالفيضانات واحتمالات الضغط على السدود التركية، كميات المياه المتدفقة نحو سوريا، الأمر الذي أدى إلى ظهور خلافات جديدة بين الدول المعنية.
ويشير إلى أن الدول الثلاث عادت لاحقاً إلى تفاهمات واتفاقات جديدة، إلا أن تركيا، بحسب رأيه، لم تلتزم مجدداً بما تم الاتفاق عليه، معتبراً أن ذلك يتعارض مع الأعراف والقوانين الدولية التي تنظم إدارة الأنهار العابرة للحدود وتحدد حقوق وواجبات الدول المتشاطئة.
ويؤكد نجار أن الأحداث الأخيرة أظهرت مجدداً أهمية التنسيق المسبق بين الدول المعنية بإدارة مياه الفرات، موضحاً أنه عندما واجهت تركيا مخاطر مرتبطة بالفيضانات واحتمالات الضغط على السدود، انعكست آثار ذلك على المناطق الواقعة داخل الأراضي السورية، ولا سيما في محافظة دير الزور، نتيجة غياب التنسيق الكافي بشأن حجم المياه المفرج عنها وتوقيت مرورها.
ويشدد على أن المياه تشكل في هذه المنطقة عقدة أساسية تبنى عليها العديد من السياسات الإقليمية، كما تستخدم في كثير من الأحيان كورقة ضغط متبادلة بين الأطراف المختلفة، مضيفاً أن نهر الفرات يمثل المثال الأبرز على ذلك، إذ ظل لعقود طويلة محوراً للتجاذبات والخلافات بين دول المنبع والمصب، كما استخدم في مراحل مختلفة كورقة ضغط سياسية من قبل تركيا تجاه كل من سوريا والعراق.
ويضيف أن مسار التفاهمات بين الدول الثلاث مر خلال السنوات الماضية بمراحل شديدة الحساسية، انعكست بشكل مباشر على الواقع الزراعي في سوريا والعراق، موضحاً أن تحكم تركيا بكميات المياه المتدفقة عبر النهر، إلى جانب إنشاء عدد من السدود والمنشآت المائية على مجراه، أدى إلى انخفاض كميات المياه الواصلة إلى دول المصب، بحيث أصبحت في كثير من الأحيان أقل من الاحتياجات الفعلية المطلوبة للقطاعين الزراعي والخدمي.
الفرات قضية أمن غذائي
يرى المهندس الزراعي فاروق عبد الله أن قضية مياه الفرات بالنسبة لسوريا لم تعد مجرد ملف ديبلوماسي أو قانوني، بل أصبحت قضية تتعلق مباشرة بالأمن الغذائي واستقرار القطاع الزراعي، فمعظم المناطق الزراعية الواقعة على امتداد حوض الفرات تعتمد بشكل كبير على انتظام التدفقات المائية لضمان استمرارية زراعة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والقطن والخضروات.
ويؤكد في حديث لـ”963+” أن أي انخفاض مستمر في كميات المياه الواردة يؤدي إلى تقلص المساحات المروية، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وزيادة الاعتماد على المياه الجوفية التي تعاني أساساً من الاستنزاف في العديد من المناطق، إضافة إلى أن تراجع الواردات المائية ينعكس على إنتاج الطاقة الكهرومائية وعلى توفير مياه الشرب للسكان.
ويشير إلى أن الاتفاقيات المائية السابقة تشكل مرجعاً مهماً، لكنها تحتاج إلى آليات تنفيذ ومراقبة أكثر فاعلية تضمن التزام جميع الأطراف بحصص عادلة ومنتظمة، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وتزايد فترات الجفاف.
ويضيف أن حماية الحقوق المائية السورية لا تعتمد فقط على المطالبة بالحصص المقررة، بل تتطلب أيضاً تطوير إدارة الموارد المائية داخل سوريا عبر تحديث شبكات الري، والحد من الهدر، واعتماد تقنيات الري الحديثة، والتوسع في الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه.
ويختم بالقول إن الحل المستدام يكمن في تعاون إقليمي حقيقي بين تركيا وسوريا والعراق، قائم على تبادل البيانات المائية بشفافية، والتنسيق المسبق بشأن تشغيل السدود وإدارة مواسم الجفاف والفيضانات، بما يحفظ مصالح جميع دول حوض الفرات ويضمن الأمن المائي والغذائي لشعوبها.










