يواجه الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، الذي عُيّن بمرسوم رئاسي في 15 مايو 2026 خلفاً لعبد القادر حصرية، اختباراً اقتصادياً بالغ الصعوبة رغم خبرته المصرفية المحلية والدولية؛ إذ لا تُقاس نجاحات السياسة النقدية في سوريا بالبيانات الرسمية، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين واستقرار أسعار السلع الأساسية والحد من تقلبات الليرة، في ظل إرث ثقيل من الأزمات الاقتصادية والعقوبات والعزلة التي أثقلت كاهل المصرف المركزي والاقتصاد السوري.
المركزي السوري أمام اختبار الثقة: ماذا يفعل الحاكم الجديد أولاً؟
لا تبدو مهمة حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد، أيّاً كان الاسم الذي يتصدر المشهد، مهمة تقنية بحتة تتعلق بسعر الصرف أو بإصدار ورقة نقدية جديدة فحسب، بل هي في جوهرها معركة لاستعادة الثقة في الليرة، وفي المصرف نفسه، وفي قدرة الدولة على إدارة اقتصاد منهك خرج من سنوات طويلة من الحرب والعزلة والعقوبات، وفي بلد ما زال يعتمد على السيولة النقدية والتحويلات ويعاني هشاشة في النظام المصرفي، تصبح الأولوية العاجلة واضحة، إعادة بناء المصداقية النقدية قبل البحث عن نتائج سريعة.
يرى الخبير المالي عبدالناصر إسماعيل في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن هذا التغيير يأتي بعد عام شهد خطوات كبيرة داخل المؤسسة، بينها إطلاق استراتيجية 2026–2030 التي أعلنتها المصرفية المركزية في مايو 2026، وركّزت على الاستقرار النقدي، وتنظيم سوق القطع الأجنبي، وتعزيز المدفوعات الرقمية، ورفع الشفافية، والاندماج التدريجي في النظام المالي العالمي ، فالمؤسسة النقدية في سوريا تدخل مرحلة جديدة وهي محمّلة بإرث ثقيل من التراجع الحاد في قيمة الليرة، وتراجع الثقة العامة، واتساع الفجوة بين السوق الرسمي والموازي، وهي كلها عوامل تجعل أي تدخل سريع في السوق هشاً إذا لم يُدعَم برسائل واضحة وسياسات قابلة للتطبيق، وعندما يقول الحاكم الجديد إن المصرف يسعى إلى “استعادة الاستقرار النقدي” و”بناء نظام مالي أكثر مرونة وارتباطاً بالعالم” ، فإن هذه العبارات لا تصبح ذات معنى إلا إذا انعكست على قدرة الناس على الادخار والتحويل والشراء دون خوف من تقلبات يومية حادة.
ويرى إسماعيل أن أولوية المصرف المركزي ليست خفض سعر الدولار إعلامياً، بل وقف تآكل الثقة عبر سياسات نقدية واضحة وقابلة للتنفيذ، مؤكداً أن استقرار الليرة يتطلب إصلاحات أوسع من التدخلات المؤقتة، وفي مقدمتها ضبط سوق الصرف، وتطوير قنوات التحويل والربط المالي الخارجي، وإصلاح القطاع المصرفي ليؤدي دوراً فعلياً في توجيه السيولة ودعم الاقتصاد، وسط تحديات تتعلق بضعف الإنتاج والثقة المصرفية وصعوبة إعادة الاندماج المالي الخارجي، ما يجعل الشفافية وتقليص الفجوة بين السوقين الرسمي والموازي أولوية ملحّة.
أولويات /5/ عاجلة تنتظر رسلان على رأس المصرف المركزي السوري
منذ مطلع عام 2026، أطلق المصرف المركزي عملية استبدال العملة السورية القديمة بأخرى جديدة. وتقضي معيارية الاستبدال بحذف صفرين من القيمة الاسمية، بحيث تعادل كل مائة ليرة قديمة ليرة سورية واحدة جديدة، وقد بدأت العملية مطلع يناير 2026 لمدة تسعين يوماً قابلة للتمديد، وتنفَّذ مجاناً دون رسوم أو ضرائب، ووُصفت هذه الخطوة رسمياً بأنها بداية مرحلة اقتصادية جديدة، لكنها في حقيقتها ليست الحل السحري الذي يتوهمه كثيرون.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أنه بحلول اليوم الأول لرسلان في منصبه، ستكون خمس أولويات عاجلة تقف على عتبة مكتبه، أولها ملف إتمام انتقال العملة وتثبيت الثقة النقدية، فما يواجهه رسلان هو مهمة أدق وأصعب، وهي ترسيخ الثقة الشعبية بالعملة الجديدة، فالمواطن السوري الذي احترق جيوبه مرات بانهيارات متتالية للليرة يتعامل مع أي عملة جديدة بحذر تاريخي مفهوم، وإن لم تترافق العملة الجديدة مع سياسة نقدية صارمة وانضباط مالي حقيقي في الإنفاق الحكومي، فإنها ستتكرر سيرة أسلافها، والمصرف معلن أنه ملتزم باستراتيجية 2026-2030 للتحول نحو مصرف مركزي يعمل وفق المعايير العالمية، تقوم على خمس ركائز تشمل تحقيق الاستقرار النقدي وإرساء سوق صرف ثابت وشفاف، وتبقى المسألة: هل سيترجم الحاكم الجديد هذه الاستراتيجية الورقية إلى قرارات يشعر بها المواطن في سوق الصرافة؟
ويشير مراد إلى أن الأولوية الثانية تتمثل في كسر العزلة المصرفية الفعلية لا الشكلية، موضحاً أن عودة سوريا إلى نظام SWIFT في نوفمبر 2025 بعد انقطاع 14 عاماً لم تعنِ استئناف التدفقات المالية، بل مجرد استعادة اتصال تقني مشروط بامتثال صارم لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وموافقة بنوك المراسلة، في وقت يضم فيه النظام المصرفي 22 بنكاً تعاني معظمها من ضعف الحوكمة والامتثال ما يحد من ثقة البنوك الدولية، فيما تبقى الأولوية الثالثة هي إصلاح المصارف العامة المتعثرة المثقلة بالديون والفساد والتضخم الوظيفي، بما يتطلب بناء نظام مصرفي قادر على استعادة الثقة الدولية وليس مجرد استعادة الاتصال التقني.
وفي يونيو 2025، طرح وزير المالية السوري خطة إصلاح شاملة للمصارف العامة بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي وبقية الأجهزة الرقابية، بعد تدقيق ومراجعة مهنية، ولكن الإصلاح الحقيقي يتطلب قرارات مؤلمة: دمج بعض هذه المصارف، وتصفية محافظ التعثر، واستقطاب إدارات كفؤة بعيداً عن المحسوبيات، فالحاكم الجديد الذي جاء من بيئة مصرفية أوروبية يمتلك خلفية تقنية مؤهلة لهذه المهمة، لكنه سيصطدم بالبيروقراطية والمصالح الراسخة، والاختبار الأول هو ما إذا كان سيتعامل مع هذه المؤسسات بعيون طبيب يشخّص، أم بعيون ضيف يتحاشى إزعاج المضيف.
ويتابع مراد أن الأولوية الرابعة تكمن في كبح الدولرة وإعادة الوظيفة الادخارية لليرة، فالسوري العادي لا يحتفظ بمدخراته بالليرة، علّمته عقود من الانهيار النقدي أن الدولار والذهب أوثق من أي وعد حكومي، ونتيجة لذلك، تتشكل كتلة ضخمة من السيولة الدولارية خارج النظام المصرفي الرسمي تماماً، تسبح في أسواق الصرف الحرة وشبكات الحوالة غير الرسمية، وهذه الظاهرة ليست أخلاقية بطبيعتها، بل هي رد فعل عقلاني من مواطن تعلّم ألا يثق بعملته الوطنية.
وأشار الحاكم السابق إلى أن استعادة الثقة في القطاع المصرفي تمثل أولوية قصوى، وتعني تحرير هذا القطاع من السياسات السابقة وعودة دوره في استقطاب الودائع من الشركات والقطاع الأهلي وتمويل قطاع الأعمال، ولكن الثقة لا تُكتسب بالبيانات، بل بسنوات من الاستقرار والشفافية، وعلى رسلان أن يرسم خارطة طريق واقعية لإعادة الوظيفة الادخارية للليرة، مع الإقرار بأن هذه مسيرة أجيال وليست قرار مرسوم.
ويؤكد مراد أهمية الأولوية الخامسة وهي استكمال الاندماج في المنظومة المالية الدولية، فرغم رفع معظم العقوبات بعد الإطاحة بالأسد، لا تزال البنوك في سوريا معزولة نسبياً عن النظام المالي العالمي، مما يعيق الجهود المبذولة لجذب الأموال وتعزيز الاقتصاد ودعم إعادة الإعمار، وقد عمل المصرف المركزي في المرحلة السابقة على فتح حسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الكندي، ويسعى لاستعادة حسابه لدى البنك المركزي الفرنسي.
وأعلن المصرف أيضاً عن إعداد خطة وطنية لمكافحة غسل الأموال للفترة 2026-2028 والتحضير لتقييم دولي عام 2027، وهذا التقييم الدولي هو الاستحقاق الأخطر على الإطلاق، فإذا نجحت سوريا فيه، فُتحت أمامها أبواب التمويل الدولي ومنظومة المراسلات المصرفية الكاملة. وإذا أخفقت، فستجد نفسها في قائمة الدول عالية المخاطر، وهو ما سيزيد كلفة أي معاملة مصرفية دولية لسنوات، والحاكم الجديد، بخبرته في مؤسسات ألمانية تخضع لأشد معايير الامتثال صرامة في العالم، يمتلك فهماً نادراً لهذا الملف تحديداً.
ويختم مراد بعيداً عن التقنيات والأرقام، يكمن التحدي الحقيقي لصفوت رسلان في شيء واحد “إعادة بناء الثقة” ثقة المواطن بعملته وببنكه، وثقة المستثمر الأجنبي بالمنظومة المالية السورية، وثقة المراسلين الدوليين في أن ما يصلهم من دمشق حقيقي ومطابق للمعايير، فقد أطلق المصرف المركزي استراتيجية 2026-2030 تتضمن أكثر من ثلاثين برنامجاً ومبادرة رئيسية، بإطار زمني واضح لترجمة الأهداف إلى نتائج ملموسة.
وهذه الاستراتيجية هي الإرث الذي يتسلّمه رسلان، مهمته أن يبقيها على الطريق، وألا تتحول إلى وثيقة حسنة النية على رفوف الأرشيف، فمصرف سوريا المركزي اليوم ليس مجرد مؤسسة مالية؛ إنه مرآة الدولة السورية الجديدة، فإن بدا محترفاً ونزيهاً ومنضبطاً، فتح أبواباً اقتصادية لم تُفتح منذ عقود، وإن ارتد إلى عادات القديم، لم يحتج أحد إلى عقوبات ليعزل سوريا من جديد.










