في مرحلةٍ سياسية توصف بالمعقدة تشهدها سوريا، يبرز النقاش حول شكل الحياة السياسية المقبلة بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بمستقبل الدولة واستقرارها. فبعد سنوات من الصراع والانقسام وتراجع الثقة بالمؤسسات، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة بناء المجال العام على أسس تضمن المشاركة والتعددية وتمنع احتكار السلطة من جديد. وفي هذا السياق، تطرح الأحزاب السياسية نفسها كإحدى الأدوات الأساسية لتنظيم العمل السياسي وتمثيل المجتمع وتحويل التنافس على السلطة من حالة صراع مفتوح إلى عملية سياسية محكومة بالقانون والدستور.
وفي ظل النقاش المتصاعد حول مستقبل النظام السياسي في سوريا، يبرز ملف الأحزاب السياسية بوصفه أحد العناوين الرئيسية المرتبطة ببناء الدولة في المرحلة الانتقالية. فوجود أحزاب فاعلة لا يُنظر إليه كمسألة شكلية أو ترف سياسي، بل كجزء أساسي من أي عملية انتقال تسعى إلى ترسيخ التعددية ومنع العودة إلى الحكم الفردي أو الفراغ السياسي. كما يرتبط نجاح المرحلة المقبلة بقدرة السوريين على تأسيس حياة حزبية تقوم على البرامج الوطنية والمشاركة السياسية، ضمن إطار قانوني ودستوري يضمن التنافس السلمي ويمنع الإقصاء والاحتكار، بما يفتح الباب أمام نظام سياسي أكثر استقرارًا وتمثيلًا لمختلف مكونات المجتمع.
وكشف مصدر مطلع لـ“963+” عن تحضير مسؤولين سوريين لإطلاق حزب سياسي جديد، بالتزامن مع توقعات بصدور قانون جديد للأحزاب مؤكداً أن الرئيس الشرع ومسؤولين في الحكومة السورية الحالية يُحضرون لإطلاق حزب سياسي جديد خلال الفترة المقبلة”.
وقال المصدر إنه من المقرر أن “يتزامن الإعلان عن هذا الحزب مع صدور قانون الأحزاب الجديد، الذي يُتوقع أن يضع إطاراً قانونياً ينظم عمل الأحزاب السياسية وآليات ترخيصها ونشاطها داخل البلاد”.
وأضاف أنه “سيجري حل الأمانة العامة للشؤون السياسية الحالية، ضمن ترتيبات إعادة الهيكلة السياسية والإدارية وتشكيل المشهد الحزبي في سوريا”.
ومن المرجح أن تُنجز جميع هذه الإجراءات خلال الفترة الممتدة حتى نهاية العام الجاري، بحسب المصدر نفسه.
حق وركيزة للمرحلة الانتقالية
يؤكد الدكتور محي الدين الشحيمي أن تأسيس الأحزاب السياسية وتوفير إطار قانوني وتنظيمي لعملها يعد حقاً أصيلاً وركيزة أساسية لنجاح أي مرحلة انتقالية، مشيراً إلى أن الأحزاب تشكل الإطار القانوني والسياسي القادر على تنظيم الترتيبات المجتمعية المتوازنة وتأطير الرؤى المختلفة بشكل سلمي وديمقراطي.
ويوضح الشحيمي لـ”963+” أن وجود أحزاب سياسية فاعلة يسهم في منع احتكار السلطة مستقبلاً ويساعد على استعادة الاستقرار وتحصين مؤسسات الدولة من الفوضى أو الانفراد بالحكم، لافتاً إلى أن هذه الأولوية تكتسب أهمية استثنائية في السياق السوري، خاصة في ظل الحاجة إلى الانتقال من حقبة الحزب الواحد إلى دولة المواطنة المتساوية والتعددية السياسية.
ويبين أن المرحلة المقبلة تتطلب مشاركة واسعة تعكس تنوع النسيج السوري بما يمنع حدوث فراغ سياسي أو الوقوع في البيروقراطية والجمود، مضيفاً أن الأحزاب تُعد الآلية الأقدر على صياغة البرامج الوطنية وتنظيم العمل السياسي ضمن إطار مؤسساتي يساهم في إنجاح عملية التحول الديمقراطي.
ويشير إلى أن التعددية الحزبية توفر حيوية في الحوار السياسي وتخلق منصات مدنية مشروعة لطرح الحلول الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعيداً عن الاستقطاب أو الصراعات المسلحة، بما يحمي شرعية الدولة ويعزز استقرارها.
ويلفت الشحيمي إلى أن نجاح هذه العملية يتطلب ضمانات صلبة وفي مقدمتها كفالة حرية العمل السياسي عبر ميثاق دستوري مؤقت، إلى جانب توفير بيئة تنظيمية مشجعة للتعددية، مؤكداً أهمية الدعم العربي والدولي لإنجاح مسار المرحلة السورية الجديدة.
ومنذ ستينات القرن الماضي، هيمن حزب البعث على الحياة السياسية في سوريا، حيث سيطر على مفاصل الدولة وأيضاً المجتمع، وحول العمل السياسي من وسيلة للمشاركة في بناء المؤسسات إلى أداة لبسط النفوذ.
وأدى نهج البعث إلى تغييب أشكال الحراك السياسي كافة، وإفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها، وتكريس الإقصاء، ما جعل المجتمع السوري عرضة للانقسامات الطائفية والدينية والمناطقية.
أحزاب تعددية
يرى الباحث والكاتب السياسي وعضو حزب الشعوب الديمقراطي إزمير أحمد، أن الأحزاب السياسية تشكل ركيزة أساسية وشرطاً جوهرياً لبناء أي نظام ديمقراطي، موضحاً أنها تمثل جسراً حيوياً يربط بين الشعوب وصناع القرار في الدولة، عبر برامج سياسية تستجيب لمتطلبات المواطنين لا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بتعدد القوميات والأديان والمذاهب.
ويؤكد أحمد لـ”963+” أن الشخصيات المستقلة لا تستطيع أداء دور محوري في الحياة السياسية بمفردها لأن أنظمتها غالباً ما تكون فردية، مشيراً إلى أن دورها يصبح أكثر فاعلية ضمن أحزاب تعتمد برامج وأنظمة ديمقراطية داخلية.
ويشير إلى أن الدولة التي تسعى لبناء ديمقراطية حقيقية تحتاج إلى أحزاب تعددية تمثل تيارات فكرية مختلفة، بما يضمن وجود خيارات فعلية أمام المواطنين لافتاً إلى ضرورة ألا تقوم الأحزاب على الزعامة الفردية أو الشخصنة، بل على أسس مؤسساتية وبرامج اجتماعية وثقافية واقتصادية واضحة.
ويحذر أحمد من أن تأسيس الأحزاب على فكرة واحدة أو زعيم واحد سيؤدي حتماً إلى خلق أزمات وصراعات داخل مجتمعات المنطقة مضيفاً أن الحزب السياسي هو تجمع لأفراد يوحدهم هدف تحقيق المصلحة الوطنية المشتركة.
وينتقد الواقع السوري الحالي، معتبراً أن سوريا لم تجدد نفسها فكرياً أو ثقافياً أو اجتماعياً وأنها ما تزال تفتقر إلى تقدم ديمقراطي قائم على أسس ومفاهيم اجتماعية حقيقية، مشيراً إلى أن رحيل نظام حزب البعث العربي الاشتراكي لم ينه تأثير أفكاره داخل مؤسسات السلطة الحالية، بحسب تعبيره.










