بعد أكثر 14 عاماً على الحرب في سوريا وما خلّفته من انقسامات سياسية واجتماعية عميقة، تقف سوريا اليوم أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، وهي كيفية بناء شراكة سياسية حقيقية بين مختلف مكوناتها القومية والدينية والاجتماعية. فالتحدي لم يعد يقتصر على معالجة آثار الصراع فقط، بل بات يتعلّق بإعادة صياغة العلاقة بين السوريين أنفسهم، وبناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في الحقوق والواجبات والمصير.
وخلال السنوات الماضية، عمّقت الحرب السورية الهوة بين المكونات الاجتماعية والسياسية، وكرّست حالة من عدم الثقة والخوف المتبادل، في ظل تراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماءات الضيقة في حينها. وفي مقابل هذا الواقع، يطرح كثير من السوريين تساؤلات جوهرية حول شكل الدولة التي يريدونها، وطبيعة النظام السياسي القادر على إدارة هذا التنوع، وإمكانية الوصول إلى صيغة شراكة تضمن التمثيل العادل لجميع المكونات بعيداً عن منطق الإقصاء أو الهيمنة أو المحاصصة الضيقة. فالشراكة السياسية لا تعني فقط توزيع المناصب أو تقاسم النفوذ، بل تقوم أساساً على بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع، ويعيد الثقة بين السوريين أنفسهم.
وتبدأ هذه الشراكة من الاعتراف المتبادل بالتنوع السوري، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية والقومية، ضمن إطار وطني جامع يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. كما ترتبط بوجود مؤسسات سياسية وقضائية وتشريعية تمثل جميع السوريين، وتضمن مشاركتهم الفعلية في صنع القرار، إلى جانب توفير بيئة سياسية تسمح بالتعددية والحريات والعمل المدني والحزبي.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة ليس سهلاً في ظل الانقسامات العميقة التي أفرزها نظام البعث على مدى عقود من الزمن وأيضاً استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن التدخلات الخارجية. ومع ذلك، يرى كثيرون أن بناء شراكة سياسية شاملة يبقى الخيار الوحيد القادر على حماية وحدة سوريا ومنع تفككها، وفتح الطريق أمام دولة مستقرة تستوعب جميع أبنائها دون تمييز أو تهميش. فكيف يمكن بناء هذه الشراكة؟ وما الشروط السياسية والاجتماعية اللازمة لتحقيقها؟ وما أبرز التحديات التي تعترض طريقها في سوريا اليوم؟
ويقول الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أيمن الدسوقي لـ “963+”، إن الشراكة الوطنية الحقيقية في سوريا تبدأ من صياغة عقد اجتماعي جديد بين السوريين والسوريات، يقوم على الحوار الصريح والمسؤول حول شكل الدولة التي يريدونها ومستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، إضافة إلى طبيعة علاقتها مع محيطها الخارجي. فإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم من خلال الإقصاء أو فرض الرؤى الأحادية، بل عبر تفاهم وطني واسع يؤسس لدولة يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء فيها على قدم المساواة.
ويضيف الدسوقي: “تتطلب هذه الشراكة الابتعاد عن منطق المحاصصة الطائفية أو العرقية، والاتجاه نحو نموذج يقوم على المواطنة والكفاءة والشراكة السياسية الحقيقية. ومن هنا تبرز أهمية أدوات مثل الانتخابات الحرة، وتوسيع اللامركزية الإدارية، وتعزيز الحياة السياسية، بما يفتح المجال أمام مشاركة السوريين والسوريات في العمل السياسي والمجتمعي المنظم، ويمنح مختلف الفئات فرصة التعبير عن مصالحها وتطلعاتها ضمن إطار وطني جامع.”
ويؤكد على أنه بالرغم من الشراكة والحوار اللذان قد يكونان مرهقين ومعقدين في ظل الانقسامات والأزمات المتراكمة، إلا أنهما يبقيان ضرورة لا غنى عنها لبناء سوريا مستقرة ومزدهرة. فالحوار الوطني الحقيقي يساهم في إنتاج شرعية سياسية قائمة على الثقة والتوافق والتشاركية، ويحدّ من تصاعد خطاب المظلومية والتهميش والإقصاء، كما يضعف النزعات الانعزالية التي تهدد وحدة المجتمع والدولة.
ويبرز ضعف الإطار القانوني والتنظيمي والمؤسساتي بوصفه أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع الشراكة السياسية في سوريا، إذ لا يمكن لأي شراكة أن تستمر أو تتطور من دون وجود مؤسسات فاعلة وقوانين واضحة تنظم العلاقة بين مختلف القوى والمكونات. إلى جانب ذلك، تبقى الحاجة ملحّة لبناء حوامل مجتمعية وسياسية تؤمن بثقافة التشاركية، وتتجاوز منطق الهيمنة والتسلط والإقصاء، باتجاه ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية بوصفها أساس الاستقرار وبناء الدولة الحديثة، بحسب الباحث في مركز عمران.
في المقابل يشير الدكتور إياس الخطيب الخبير في العلاقات الدولية، إلى أن الأسس السياسية والاجتماعية اللازمة لتحقيق شراكة وطنية حقيقية بين المكونات السورية، تُعدّ بديهية في أي دولة مستقرة أو طبيعية لكن المشكلة في سوريا نتيجة تراكم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، جعلت تحقيق الشراكة الوطنية يبدو وكأنه أمر بالغ الصعوبة، رغم أنه في الأصل من مقومات أي دولة في العالم.
وهذه الأسس وفق حديث الخطيب لـ “963+” تتمثل في وجود برلمان يمثل جميع مكونات الشعب السوري تمثيلاً حقيقياً، بحيث يكون صوته هو الصوت المؤثر في الدولة. كما ينبغي أن تُدار مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والخبرة، لا على أساس المحاصصة أو الوساطات، بحيث يُمنح الدور لمن يمتلك القدرة الفعلية على خدمة الوطن وتقديم الأفضل له.
ويؤكد، أن غياب الشراكة السياسية يؤدي تلقائياً إلى تفكك الهوية الوطنية الجامعة في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع السوري بالوقت الراهن من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة الأمر الذي يعتبره المواطنون السوريون أولوية بالنسبة لهم. بالتالي، فإن تحقيق الاستقرار يتطلب شراكة وطنية حقيقية، ووحدة قائمة على التكافل وتقارب وجهات النظر، إلى جانب بناء بيئة أخلاقية واجتماعية وسياسية وقانونية سليمة تُسهم في تصحيح المسار السوري. ومن دون ذلك، ستتجه المكونات المختلفة إلى إدارة شؤونها بصورة منفصلة، ما يهدد وحدة البلاد بشكل أكبر.
أما فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه مشروع الشراكة السياسية بين مختلف المكونات السورية، يقول الخبير في العلاقات الدولية إنه يجب على الحكومة أن تأخذ بعين الاعتبار أن المجتمع السوري مجتمع متنوع وغني بتعدديته القومية والدينية والثقافية. بالتالي من الضروري منح جميع المكونات حقوقها بشكل واضح، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وحدة الوطن. فمن الطبيعي أن يعتز الكردي بهويته وثقافته، وأن يعتز العلوي أو الدرزي أو المسيحي أو السني بانتمائه الثقافي والديني، وأن يُعبّر كل منهم عن خصوصيته بحرية، لكن تحت سقف وطني جامع يشعر فيه الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأنهم شركاء فعليون في إدارة الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. عندها فقط يمكن الوصول إلى مجتمع سوري صحي ومتوازن.
ويفيد الخطيب، بأن شعور مكونات اجتماعية أو قومية أو دينية أنها خارج دائرة التأثير وصنع القرار يدفعها تلقائياً إلى البحث عن وسائل لحماية ذاتها، سواء عبر الانكفاء داخل هوياتها الفرعية أو عبر بناء شبكاتها السياسية والاجتماعية الخاصة، وهو ما يفاقم حالة الانقسام الداخلي ويعمّق الشرخ بين مكونات المجتمع السوري. ولا يقتصر تأثير هذا الواقع على الجانب السياسي فقط، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والوطنية العامة، إذ يؤدي غياب التوازن في إدارة مؤسسات الدولة إلى تراجع الشعور بالانتماء الوطني الجامع، مقابل تصاعد الانتماءات الضيقة القائمة على الطائفة أو القومية أو المنطقة.
ويشدد على أنه من الضروري في الوقت الحالي العمل على بناء دولة حقيقية تقوم على مبدأ الشراكة الوطنية الكاملة بين جميع السوريين، بحيث تكون الحقوق والواجبات متساوية، وتُدار مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والقانون لا على أساس الولاءات والانتماءات الضيقة. كما يستوجب ذلك ترسيخ مؤسسات دستورية وقضائية وتشريعية مستقلة تضمن المشاركة الفعلية لجميع المكونات في إدارة البلاد وصنع القرار.
ويختتم الخبير في العلاقات الدولية حديثه بالقول إن الوصول إلى صيغة وطنية جامعة لن يتحقق بصورة سريعة، في ظل التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فإعادة ترميم العلاقة بين المكونات السورية تحتاج إلى مسار طويل يقوم على الحوار الجاد، وتقديم الضمانات المتبادلة، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة. كما يتطلب الأمر بيئة سياسية أكثر انفتاحاً تسمح بالمشاركة والتعددية واحترام الاختلاف، بعيداً عن سياسات الاستبعاد والتخوين. كما يرتبط نجاح أي مشروع وطني مستقبلي بقدرة السوريين على إنتاج تفاهمات مشتركة تؤسس لاستقرار دائم، وتمنع عودة الانقسامات والصراعات التي أنهكت البلاد لسنوات طويلة.










