تواجه السياسة المالية والاقتصادية في سوريا اختباراً هو الأكثر حساسية؛ إذ تسير الحكومة فوق حبل مشدود يوازن بين ضرورة إنعاش القطاعين الصناعي والزراعي المُنهكين من جهة، وتأمين موارد مالية مستقرة للخزينة العامة من جهة أخرى.
المرسوم رقم (109) لعام 2026 الناظم لقانون الجمارك الجديد، ومعه المرسوم رقم (110) المتعلق بـ “التعريفة الجمركية المتناسقة”، إلى جانب التعديلات الأخيرة على رسوم الإنفاق الاستهلاكي، شكلت مجتمعة الثالوث التشريعي الذي طال انتظاره، فالقاعدة الاقتصادية الكلاسيكية تقول: “إن أي تخفيض بالرسوم على المواد الأولية والأساسية لترميم الإنتاج، يجب أن يقابله رفع للرسوم على الكماليات والبدائل المحلية لتعويض فجوة الإيرادات وحماية الهوية الصناعية الوطنية”.
ويطرح ما سبق سؤالاً هل هذا ما تحقق فعلاً على أرض الواقع بالقرارات الأخيرة؟. المعادلة نظرياً تبدو مثالية: (إعفاء للمنتج + تدفيع الرفاهية الثمن = استقرار إيرادات الخزينة) لكن خبراء الاقتصاد والمحللين الماليين يطرحون علامات استفهام مقلقة حول التطبيق.
جردة حساب.. لغة الأرقام في خفض مدخلات الإنتاج
عند تتبع جداول التعريفة الجمركية الجديدة لعام 2026 (المسعّرة بالدولار كعملة تقييم موحدة لطرد التشوهات الحسابية)، يتضح أن هناك “ثورة تخفيضات” حقيقية طالت مدخلات الإنتاج الأساسية والمواد الغذائية الضرورية، كما يقول الخبير الاقتصادي هلال منصور في تصريحات لـ”963+” وأن ذلك جاء استجابةً لمطالب غرف الصناعة والتجارة السورية.
وأبرز هذه التبدلات الرقمية من حيث مقارنة الرسوم الجمركية لبعض المواد الأساسية (2025 مقابل 2026) مادة الكلينكر (المادة الأساسية للإسمنت) حيث كان الرسم السابق 13 دولاراً أما الرسم الجديد (2026) فقد بلغ 7 دولارات أي نسبة الانخفاض التقريبية 46% وذلك بهدف دعم معامل الإسمنت وقطاع الإعمار.
أما المواد الأولية الدوائية، كانت نسبة الانخفاض متباينة بلغت 27 دولاراً (كحد متوسط) لكبح أسعار الدواء المحلي، أما الأدوية الجاهزة (المستوردة) كان الرسم السابق 3000 دولار والرسم الجديد (2026) 500 دولار أي نسبة الانخفاض التقريبية 83% بهدف تخفيف العبء عن المرضى، وكذلك الحليب انخفض من 150 دولاراً إلى 100 دولار بنسبة 33% لحماية الأمن الغذائي للأطفال.
ويضيف منصور بعض السلع الغذائية مثل البقوليات اليابسة التي كانت 100 دولار وانخفضت إلى 27 دولاراً بنسبة 73% وذلك بهدف تخفيض كلف المعيشة الأساسية، والزيوت الخام التي كانت 100 دولار وانخفضت إلى 53 دولاراً بنسبة 47% لتشغيل معاصر ومصافي الزيوت المحلية، وأيضاً السكر الخام انخفض من 13 دولاراً إلى 7 دولارات بنسبة 46% بهدف دعم مصانع التكرير المحلية.
ويؤكد سمير الرجب أحد الصناعيين في مدينة الشيخ نجار الصناعية بحلب في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن التخفيضات الأخيرة على المواد الأولية مثل عجينة الكاكاو (التي هبطت من 100 إلى 53 دولاراً) والزيوت، منحتنا متنفساً حقيقياً، كنا نختنق بسبب كلف الطاقة والنقل، وخفض الجمارك عوضنا جزءاً من تلك الخسائر.
الكفة المقابلة.. هل دفع “الترف والبديل” الثمن؟
يرى المحلل المالي رياض الحمداني في تصريحات لـ”٩٦٣+” أنه لتحقيق التوازن المالي وتجنب حدوث عجز كارثي في التحصيل الضريبي والجمركي، تحرك الفريق الاقتصادي في مسارين متوازيين لرفع كلفة الاستيراد غير الضروري لحماية المنتج الوطني (البدائل المحلية)، فالقرارات الجديدة فرضت حظراً غير مباشر ورسوماً مشددة على المستوردات التي تُنتج محلياً بكفاءة.
وشملت هذه القائمة تشديد الرسوم على مستوردات مثل (المرتديلا، السكاكر، والبسكويت) ، بهدف إجبار السوق على الاعتماد على المنتج السوري وإعطاء المصانع المحلية ميزة تنافسية حتمية، أما المسار الثاني فكان في جباية الرفاهية والكماليات (رسم الإنفاق الاستهلاكي) حيث لم تكتفِ الحكومة بالتعريفة الجمركية، بل أتبعتها بقرار رفع “رسم الإنفاق الاستهلاكي على الواردات بنسب تتراوح بين 5% إلى 20%” وبأثر رجعي (يعود لـ 8 كانون الأول 2024) وقد تصدرت الارتفاعات /التبغ والسجائر/ مما تسبب فوراً في قفزة بأسعارها في الأسواق بنسبة 7 إلى 8% وأيضاً مستحضرات التجميل والعطور ارتفع الرسم عليها إلى 10%، أما حلي الفضة والرخام والسيارات، فقد خضعت لشرائح رسوم مرتفعة جداً استهدفت الفئات ذات الملاءة المالية العالية.
ويؤكد الحمداني أن معادلة إعفاء للمنتج مقابل تدفيع الرفاهية الثمن هذا يعني استقراراً في إيرادات الخزينة، ولكن هناك معضلة الأثر الرجعي، فتطبيق رسوم الاستهلاك بأثر رجعي على البضائع المخلّصة منذ أواخر 2024 أثار استياء واسعاً بين التجار؛ فالقانون طُبق على بضائع بيعت واُستهلكت بالفعل، مما يعني أن المستوردين سيتحملون الكلفة من رأسمالهم، وهو ما قد يدفع ببعضهم للانسحاب من السوق أو اللجوء إلى الاقتصاد الظل، وأيضاً هناك خطر إنعاش التهريب، حيث أن المبالغة في رفع رسوم السلع الكمالية أو البديلة في ظل حدود برية واسعة قد لا تؤدي إلى زيادة تحصيل الخزينة، بل على العكس، قد تنعش شبكات التهريب، وبالتالي تخسر الخزينة الرسم الجمركي المرتفع وتخسر الأسواق ضبط الأسعار.
ويضيف الحمداني أنه رغم خفض الجمارك على البقوليات والسكر الخام، إلا أن الأسواق المحلية لم تشهد انخفاضاً موازياً في الأسعار بالشكل المطلوب بسبب كلف حوامل الطاقة (المازوت والكهرباء الصناعية) التي تمتص وفر التخفيض الجمركي، وهو تحدي القدرة الشرائية للمواطنين.
بالعودة إلى سؤال التحقيق: هل هذا ما حصل بالقرار الجديد للجمارك في سوريا؟ الجواب لدى الحمداني: نعم، من حيث الهيكل والتشريع، ولا تزال النتيجة معلقة من حيث العائد المالي.
ويشير إلى أن الحكومة السورية طبقت حرفياً المعادلة الاقتصادية المطروحة؛ خفّضت جمارك المواد الأولية (حديد، إسمنت، سكر، زيوت) بشكل غير مسبوق، ورفعت بالمقابل رسوم الاستهلاك والجمارك على الكماليات والبدائل المحلية (سيارات، عطور، تبغ، سكاكر).
ومع ذلك، فإن نجاح هذه السياسة في تعويض تراجع التحصيل المالي للخزينة دون إرهاق الأسواق يعتمد بالدرجة الأولى على مدى قدرة “الضابطة الجمركية” (التي منحها قانون الجمارك الجديد 109 صلاحيات أوسع) على كبح جماح التهريب، وبسط مظلة “التحول الرقمي والعلنية” في التخليص لمنع الفساد، وإلا ستبقى التخفيضات هدايا مجانية للصناعيين دون أن تجد الخزينة بديلاً حقيقياً يعوضها في جيوب المستهلكين الأكثر ثراءً.










