بين ضغوط المعيشة اليومية، وتقلبات سعر الصرف، ومحاولات إعادة تنشيط الاقتصاد، تقف سوريا أمام مرحلة اقتصادية معقدة تحمل في الوقت نفسه تحديات كبيرة وفرصًا محتملة للتعافي. فمع الحديث عن إصلاحات في الدعم والأسواق، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة تفعيل مشاريع إقليمية للطاقة والنقل، تتزايد التساؤلات حول قدرة هذه الخطوات على تحسين الواقع المعيشي للمواطنين، وإخراج البلاد تدريجيًا من أزماتها الاقتصادية المتراكمة.
وفي حوار خاص لـ”963+” مع المستشار في وزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة القاضي، طُرح من خلاله جملة من الملفات الاقتصادية الأساسية، بدءاً من الأجور والدعم والكهرباء، مروراً بسعر الصرف وآليات ضبط الأسواق، وصولاً إلى مشاريع التكامل الاقتصادي مع الدول العربية، ودور سوريا المحتمل كممر إقليمي للطاقة والتجارة.
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
كيف تقيم الوضع الحالي لتكاليف المعيشة في سوريا مقارنة بمستويات الدخل؟
رغم ارتفاع الأجور الحقيقية أحياناً إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وأحيانًا أخرى إلى أكثر من خمسة أضعاف، وارتفاع الحد الأدنى للأجور من 250 ألف ليرة سورية إلى 750 ألفًا، ثم إلى مليون و250 ألف ليرة سورية، ورغم النشاطات الاقتصادية الكثيرة داخل الدولة، إلا أنه لا يمكن القول حتى الآن إننا تجاوزنا عتبة الفقر لدى جميع المواطنين السوريين.
لا شكّ أن هناك نسبة كبيرة من الفقراء، ما يتطلب مزيداً من النشاط الاقتصادي، واستقدام أكبر عدد ممكن من الشركات، من أجل خلق فرص عمل تسهم في رفع المستوى المعيشي للمواطنين.
الحقيقة أن المشكلة تكمن في وجود تضخم عالمي، ونحن جزء من هذا العالم، إضافةً إلى ما يُسمى بـ”التضخم المستورد”، الناتج عن ارتفاع أسعار الأسمدة والأعلاف، وارتفاع بعض المواد التي نستوردها من خارج سوريا.
إلى أي مدى ساهمت القرارات الحكومية الأخيرة (مثل أسعار الكهرباء والمحروقات وسياسات الدعم) في تخفيف أو زيادة الأعباء الاقتصادية على المواطنين؟
بسبب ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، ارتفعت أيضاً أسعار الشحن، وبالتالي هناك تضخم وارتفاع في الأسعار، ما شكّل ضغطاً إضافياً على الطبقة الفقيرة في سوريا. وأعتقد أنه مع نهاية عام 2026 ستكون نسبة الفقر والفقراء في سوريا أفضل، وسيتحسن المستوى المعيشي لنسبة كبيرة من المواطنين السوريين، مع استقدام الاستثمارات وبدء المشروعات الكبيرة التي تخلق فرص عمل كثيرة.
وهذا إضافةً إلى زيادة ضخ النفط والغاز، الذي يمكن أن يوفّر موارد تستطيع الحكومة من خلالها دعم الطبقة الفقيرة وتحسين ظروف معيشتها.
وأعتقد أن تشغيل مؤسسات التجزئة العامة سابقاً، كمؤسسات استهلاكية، من خلال شركات عربية ودولية، كما هو مزمع القيام به مع شركات قطرية أو سعودية أو تركية، لأكثر من 500 مركز، والبيع تقريباً بسعر التكلفة مع هامش ربح بسيط جداً، سيسهم في تخفيف الضغط على الطبقة الفقيرة، لأن الأهم هو تأمين سلة الغذاء، إضافةً إلى الكهرباء والمازوت والإيجار والدواء.
فالحقيقة أننا ما زلنا في المراحل الأولية للخروج من تحت خط الفقر، ولعلّ الأعوام القادمة تشهد، عاماً بعد عام، انخفاضاً تدريجياً في أعداد الفقراء، إلى أن تنتهي سوريا من الفقر المدقع، وينتقل الشعب السوري ليصبح ما بين 60 إلى 70% منه ضمن الطبقة الوسطى.
أما فيما يخص الكهرباء، فأعتقد أنه كلما توفرت كبديل أكبر من النفط والغاز، ازدادت إمكانية وهامش المناورة لدى شركة الكهرباء لدعم استهلاك الطبقة الفقيرة، وخاصة أول 300 أو 600 كيلوواط. ويمكن إعفاء أول 300 كيلوواط، وربما تقسيط الـ300 كيلوواط الأخرى أو إعفاؤها أيضًا، بحسب توفر الموارد، وفق ما ستتيحه موازنة عام 2026.
هناك تقديرات بأن الناتج القومي السوري قد يصل إلى 33 مليار دولار، وإذا تحقق هذا الرقم فعلاً، فسيكون ذلك أشبه بمعجزة اقتصادية، إذ إن الانتقال من ناتج قومي يبلغ 7 مليارات دولار إلى 33 ملياراً خلال أقل من سنتين يُعد إنجازاً كبيراً.
صحيح أن هناك معاناة لدى الناس، لكن من المؤمل، أن تتراجع هذه المعاناة تدريجياً. ويجب ألا تتجاوز فاتورة الكهرباء ما بين 5 إلى 7% من دخل المواطن، ولذلك ينبغي أن يكون هناك هدف برفع الحد الأدنى للأجور إلى 300 دولار، بحيث لا يواجه المواطن مشكلة في دفع 20 أو 30 دولارًا لقاء الكهرباء.
هل تعتقد أن الاقتصاد السوري يتجه نحو تحرير الأسعار أم نحو إعادة هيكلة منظومة الدعم، وما هي تداعيات كل خيار؟
الاقتصاد، بطبيعة الحال، يتجه عمليًا نحو تحرير تدريجي للأسعار، لكن ليس تحريراً أعمى، بمعنى أن الوزارات تراقب هذه الأسعار وتضبطها، وتحاول قدر الإمكان التأكد من عدم وجود احتكار.
كما أن آليات العرض والطلب متعددة، ففي حال فُرضت رسوم جمركية على مستوردات معينة، ووجدت الدولة أن السعر المحلي مرتفع جدًا، فإنها تسمح بالاستيراد لضبط ارتفاع الأسعار. لذلك، فهو ليس تحريرًا عشوائياً أو اعتباطياً، بل هو اقتصاد سوق مع ضبط إيقاع الأسعار وتنظيمها.
ولا شك أن الإدارة تكتسب يوماً بعد يوم خبرات جديدة، وتتراكم هذه الخبرات في كيفية ضبط الأسعار، وخاصة أن الأسواق شهدت خلال السنوات الماضية حالة من الفوضى في الأسعار والتنظيم.
ومع الوقت، يفترض أن تصبح الأسعار أكثر استقراراً ومعقولية، مع ضبط الحدود أيضاً، حتى لا يحدث إغراق للأسواق، وبما يجعل المواطن يشعر بتحسن في الأسعار وفي قوته الشرائية، بحيث يستطيع شراء احتياجاته دون عناء كبير.
بالتالي أن أي دعم نقدي يتوفر ضمن الموازنة يجب أن يُوجَّه إلى الأسر الفقيرة والمتوسطة، مع حماية الخبز والدواء، وما أمكن من المواد الأساسية واحتياجات الأسرة.
كيف تفسر استمرار تدهور سعر صرف الليرة السورية وغياب الاستقرار النقدي، وما دور البنك المركزي في ذلك؟
حتى الآن لا يوجد ضبط حقيقي كامل لأسواق المال، وإن كانت هناك جهود كبيرة تُبذل في هذا الاتجاه. لكن بسبب تركيبة السوق سابقاً، ومحاولة استعادة السيطرة الحقيقية على الأسواق، تحدث أحياناً مضاربات داخل السوق السورية، ما يؤدي إلى حالة من الاضطراب.
كما أن هناك نقصاً في القطع الأجنبي، إلى جانب استمرار حالة من الفوضى في الأسواق، لأن عملية استبدال العملة القديمة بالعملة الجديدة لم تنتهِ أصلاً، إذ إن ما تم استبداله حتى الآن لا يتجاوز نحو 54% فقط من الحجم المفترض استبداله.
وطبعًا، هذا يتيح لمن يمتلكون كميات من العملة القديمة، سواء من النظام السابق أو غيرهم، الدخول على خط المضاربات، وهو ما يشكل خطورة في هذه المسألة. إضافةً إلى ذلك، هناك مضاربات أخرى يجب ضبطها بشكل أكبر وأكثر فاعلية.
وأثر التضخم العالمي بدوره على الاقتصاد السوري، وأصبح هناك احتياج أكبر إلى القطع الأجنبي. وبطبيعة الحال، فإن سوق الصرف لم تتوفر لها حتى الآن جميع آليات الضبط الممكنة، لكن هناك محاولات لتوحيد أسعار الصرف، وضبط السيولة، وتشجيع الحوالات عبر القنوات الرسمية، مع إصرار الدولة على وقف تمويل العجز عبر طباعة العملة.
ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على سعر العملة، فالحقيقة أن معظم دول العالم تشهد تغيرات وتقلبات في أسعار عملاتها، بما في ذلك تراجع قيمة بعض العملات، كما يحدث مع الليرة التركية والجنيه المصري وغيرهما، حيث تتعرض عملات كثيرة لضغوط كبيرة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية.
ما أهمية “السجل الوطني للتصدير” والإصلاحات الجديدة في قطاع التصدير، وهل يمكن أن تغيّر فعلياً موقع سوريا في الأسواق الإقليمية والدولية؟
السجل الوطني يُعدّ خطوة مهمة تنقل التصدير من حالة فوضوية إلى قاعدة بيانات منظمة للمصدرين. وقد حاولت هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات ضبط مسائل التصدير، لما لذلك من أهمية كبيرة في توفير المعلومات اللازمة للدولة عند اتخاذ قراراتها.
ومن أهم القرارات التي اتُّخذت في نيسان/أبريل 2026، ضرورة أن يقوم أي مُصدّر بالتسجيل لضمان استمرار نشاطه التصديري، حتى يكون لدينا ضبط إضافي بالتعاون مع هيئة المعايير والمقاييس، ومن أجل إنتاج بضائع نفتخر بها عندما نقول: “صُنعت في سوريا”، بحيث تصبح هذه العبارة علامة مميزة بحد ذاتها.
فـ “صُنعت في سوريا” تعني أن جميع السلع التي تخرج خارج الأراضي السورية، أو حتى تلك المتداولة داخلها، يجب أن تتميز بتوافر الشروط والمعايير الدولية المطلوبة، قبل إنتاجها وقبل طرحها في الأسواق.
والهدف من ذلك هو تغيير موقع سوريا ضمن الأسواق من حيث جودة البضائع، بحيث تصبح شهادة المنشأ السورية وعلامة “صُنعت في سوريا” مصدر ثقة وتميّز بحد ذاتها. ولهذا كان من الضروري ضبط مسائل التصدير وتنظيمها.
كيف ترى واقع العلاقات الاقتصادية السورية مع الدول العربية مثل الأردن والعراق والخليج، ولماذا لم تتحول بعد إلى مشاريع تكامل اقتصادي حقيقية؟
نحن نعيش اليوم ما يمكن وصفه بـ”شهر عسل” في العلاقات مع الأردن والسعودية والامارات وتركيا، وحتى مع العراق. وهذه العلاقات تعبّر، في الحقيقة، عن إرهاصات تكامل اقتصادي، وإن كان لا يزال في بداياته، إلا أن التنسيق الواضح يجري على أعلى المستويات.
فعلى سبيل المثال، هناك مشاريع تتعلق بنقل النفط العراقي عبر ميناء بانياس، ومن المؤمل مستقبلاً إصلاح خطي البصرة – بانياس وكركوك – بانياس، ما سيخلق فرص عمل كثيرة، خاصة أن داخل الأراضي السورية يوجد نحو 450 كيلومتراً من خطوط الأنابيب القادمة من كركوك. وأعتقد أن هذه المشاريع سترفع أيضًا المستوى المعيشي للسوريين.
إضافةً إلى ذلك، فإن إعادة فتح معبري ربيعة واليعربية بين العراق وسوريا، لأول مرة منذ سنوات، تعكس حجم النشاط المتزايد في المعابر والموانئ، وهو نشاط لم تشهده سوريا منذ عقود، وإذا أضفنا إلى ذلك الاتفاقات القائمة بين تركيا والأردن وسوريا لتحويل البلاد إلى ممر ترانزيت إقليمي، إضافةً إلى مشروع خط الغاز العربي الممتد من مصر إلى الأردن فسوريا ثم لبنان، فإن ذلك سيؤمن دخلًا جيدًا لسوريا، فضلًا عن تزويدها بالغاز اللازم لإنتاج الكهرباء.
وهذه العلاقات تتجه نحو مزيد من الازدهار والتنسيق، وربما كانت أزمة مضيق هرمز بمثابة فرصة لسوريا، لأنها أعادت تسليط الضوء على الدور الجيوسياسي والجيو اقتصادي السوري.










