في السنوات الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي انتشاراً واسعاً لمحتوى يتناول الصحة النفسية، بدءاً من مقاطع قصيرة تشرح أعراض القلق والاكتئاب، وصولاً إلى اختبارات سريعة تدّعي القدرة على تشخيص اضطرابات نفسية خلال دقائق. ومع تزايد إقبال المستخدمين على هذا النوع من المحتوى، بات كثير من الأشخاص يلجؤون إلى الإنترنت طلباً للدعم النفسي أو لفهم ما يمرون به من مشاعر وتجارب.
ورغم أن هذا التوجه قد يحمل بعض الفوائد من حيث نشر الوعي وتشجيع الناس على الحديث عن الصحة النفسية، فإن مختصين يحذرون في الوقت نفسه من المخاطر التي قد تنجم عن الاعتماد المفرط على المعلومات غير المتخصصة المنتشرة عبر الشبكات الاجتماعية، خصوصاً عندما تتحول هذه المنصات إلى بديل عن التقييم المهني المباشر.
اقرأ أيضاً: كيف تؤثر الضغوط المعيشية على العلاقات بين النساء أنفسهن؟ – 963+
سهولة الوصول وتراجع الوصمة
وتوضح مدربة الحياة سوسن سلماوي في حديثها لـ”963+” أن انتشار الاستشارات النفسية عبر الإنترنت يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت متاحة للجميع وسهلة الاستخدام، الأمر الذي يجعلها الخيار الأسرع عندما يواجه الفرد ضيقاً نفسياً أو مشكلة شخصية.
وتشير سلماوي إلى أن الحديث عن الصحة النفسية في كثير من المجتمعات العربية، ومنها المجتمع السوري، ما زال يرافقه نوع من الحرج أو الخوف من نظرة الآخرين، ما يدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن إجابات بشكل غير مباشر عبر الإنترنت بدلاً من زيارة العيادات المتخصصة.
وتضيف أن الظروف الاقتصادية وقلّة المراكز المتخصصة في بعض المناطق تلعب أيضاً دوراً مهماً في هذا التوجه، إذ يجد بعض الأفراد أن الوصول إلى مختص نفسي ليس أمراً سهلاً، سواء بسبب التكاليف أو بسبب محدودية الخدمات المتاحة.
ونتيجة لذلك يتحول الإنترنت إلى الخيار الأقرب والأكثر سهولة للحصول على معلومات أو نصائح أولية.
بين نقص الوعي وصعوبة الوصول إلى العلاج
ترى سلماوي أن انتشار هذه الظاهرة يعكس مزيجاً من عاملين رئيسيين: نقص الوعي النفسي لدى بعض الناس، وصعوبة الوصول إلى المختصين. فالبعض يعتقد أن النصائح العامة المنتشرة عبر الإنترنت يمكن أن تقدم حلولاً لمشكلات نفسية معقدة، في حين أن العلاج النفسي غالباً ما يحتاج إلى تقييم مهني دقيق وخطة علاجية متخصصة.
من جانبه، يشير الطبيب النفسي محمد البسو في حديثه لـ”963+” إلى أن الدراسات العلمية تؤكد وجود أسباب متعددة تدفع الناس إلى طلب المساعدة النفسية عبر الإنترنت، من بينها الرغبة في الوصول السريع إلى المعلومات بتكلفة منخفضة، إضافة إلى الشعور بالخصوصية أو إخفاء الهوية الذي توفره المنصات الرقمية.
ويضيف أن بعض الأبحاث تشير إلى أن الشباب تحديداً ينجذبون إلى هذه المنصات لأنها تمنحهم فرصة البحث عن تفسير أولي للأعراض قبل اتخاذ قرار زيارة مختص، وهي خطوة قد تبدو للبعض مخيفة أو محرجة.
كما تشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، وضعف الإحساس بالحاجة إلى العلاج، وصعوبات الوصول إلى الخدمات المتخصصة، تعد من الأسباب الأساسية التي تؤخر طلب الرعاية النفسية.
المحتوى القصير.. جاذبية عالية ودقة أقل
ومع انتشار المحتوى القصير على منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام”، أصبح الحديث عن الاضطرابات النفسية أكثر حضوراً في الفضاء الرقمي، حيث تقدم مقاطع قصيرة معلومات مبسطة عن أعراض القلق أو الاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
ويرى البسو أن هذا النوع من المحتوى قد يكون مفيداً عندما يقتصر على التوعية العامة، مثل التعريف ببعض الأعراض أو تشجيع الناس على الاهتمام بصحتهم النفسية. كما قد يساعد في كسر الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية ويمنح المتابعين شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه المقاطع إلى وسيلة لتقديم تشخيصات قاطعة أو حلول سريعة لمشكلات نفسية معقدة. فالصحة النفسية، كما يوضح البسو، مجال عميق لا يمكن اختزاله في دقائق معدودة أو في اختبارات مبسطة.
من أبرز الظواهر التي برزت في السنوات الأخيرة ما يعرف بـ”التشخيص الذاتي”، حيث يعتمد بعض الأشخاص على مقاطع أو اختبارات عبر الإنترنت ليقرروا أنهم يعانون من اضطرابات مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات الشخصية.
وتحذر سلماوي من أن هذا النوع من التشخيص قد يكون مضللاً في كثير من الأحيان، لأن الأعراض النفسية قد تتشابه بين عدة اضطرابات مختلفة، ولا يمكن الحكم عليها بدقة إلا من خلال تقييم شامل يقوم به مختص.
أما البسو فيوضح أن التشخيص النفسي الحقيقي لا يعتمد على عرض أو عرضين فقط، بل يستند إلى مجموعة واسعة من العوامل، مثل التاريخ المرضي للشخص، ومدة الأعراض وشدتها، وتأثيرها في الحياة اليومية، إضافة إلى السياق الاجتماعي والطبي الذي يعيش فيه الفرد.
كما أن العديد من الاضطرابات النفسية قد تتداخل أعراضها مع بعضها البعض، أو قد تكون مرتبطة بعوامل أخرى مثل اضطرابات النوم أو بعض المشكلات الجسدية أو حتى تأثيرات الأدوية.
ولهذا السبب، قد يؤدي التشخيص الذاتي إلى نتيجتين متناقضتين: إما أن يقتنع الشخص بأنه مصاب باضطراب لا يعاني منه فعلياً، أو أن يطمئن إلى تفسير مبسط بينما تكون حالته بحاجة إلى تقييم وعلاج متخصصين.
اقرأ أيضاً: بين الحقيقة والوهم.. العلاقات العاطفية عبر وسائل التواصل الاجتماعي – 963+
تأثير النصائح غير الدقيقة على العلاقات
لا يقتصر تأثير المعلومات النفسية غير الدقيقة على فهم الفرد لحالته النفسية فحسب، بل قد يمتد أيضاً إلى علاقاته الاجتماعية والأسرية.
وتوضح سلماوي أن بعض المحتوى المنتشر على الإنترنت يقدم نصائح عامة ومبسطة حول العلاقات الإنسانية، مثل الدعوة إلى قطع العلاقات بسرعة أو تصنيف أي خلاف على أنه “علاقة سامة”، مثل هذه الأفكار، رغم جاذبيتها وسهولة تداولها، قد تدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرارات متسرعة دون فهم كامل لطبيعة العلاقات الإنسانية وتعقيداتها أو للظروف الاجتماعية المحيطة بها.
ومن جانب آخر، يحذر المختصون من خطورة تلقي استشارات نفسية من أشخاص غير مؤهلين عبر الإنترنت.
ويشير البسو إلى أن غير المختص قد يقدم طمأنة زائفة لحالة تستدعي تدخلاً علاجياً حقيقياً، أو قد يفسر أعراضاً خطيرة تفسيراً مبسطاً ومريحاً، ما قد يؤدي إلى تأخير الحصول على العلاج المناسب.
كما قد يفشل غير المختص في ملاحظة مؤشرات الخطر، مثل الأفكار الانتحارية أو الأعراض الذهنية أو العنف أو تعاطي المواد، وهي حالات تتطلب تدخلاً مهنياً عاجلاً.
ومع ذلك، يوضح البسو أن بعض التدخلات النفسية الأساسية يمكن أن يقدمها أشخاص غير متخصصين إذا كانوا مدربين ضمن برامج معتمدة وتحت إشراف مهني، كما تشير إلى ذلك برامج منظمة الصحة العالمية. لكن هذا يختلف تماماً عن تقديم استشارات فردية عبر المنصات الاجتماعية من قبل مؤثرين أو أفراد غير مؤهلين.
الشباب والمراهقون الأكثر تأثراً
تعد فئة الشباب والمراهقين الأكثر تعرضاً لهذا النوع من المحتوى، نظراً لوجودهم المكثف على الإنترنت وبحثهم المستمر عن تفسير لمشاعرهم وتجاربهم الشخصية.
وتشير سلماوي إلى أن هذا المحتوى قد يساعد أحياناً الشباب على فهم أنفسهم بشكل أفضل، لكنه قد يؤدي في أحيان أخرى إلى تبني تشخيصات أو تسميات نفسية دون أساس علمي، ما قد يخلق لديهم قلقاً أو تصورات غير دقيقة عن حالتهم النفسية.
ضوابط أخلاقية ومهنية
يشدد المختصون على ضرورة وجود ضوابط مهنية واضحة لتقديم الاستشارات النفسية عبر الإنترنت. ويؤكد البسو أن أول هذه الضوابط هو الكفاءة المهنية، أي أن يكون الشخص الذي يقدم الخدمة مؤهلاً ومجازاً في المجال النفسي، ويعمل ضمن حدود خبرته وتدريبه.
كما يجب أن تتضمن الممارسة الرقمية مبادئ أساسية مثل الموافقة المستنيرة، وحماية خصوصية البيانات، ووجود خطة للتعامل مع الحالات الطارئة، إضافة إلى وضوح الحدود المهنية وعدم تحويل المحتوى العام إلى علاج فردي علني.
وبذلك نجد أن المختصون أكدوا على أن الإنترنت يمكن أن يكون أداة مفيدة لنشر الوعي بالصحة النفسية ولتشجيع الناس على طلب المساعدة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التقييم السريري المتخصص.
وينصح الخبراء الأشخاص الذين يشعرون باضطراب نفسي باستخدام الإنترنت كنقطة بداية للاطلاع على المعلومات، مع الحرص على الاعتماد على مصادر موثوقة تابعة لجهات علمية أو صحية معروفة.
أما إذا استمرت الأعراض أو بدأت تؤثر في النوم والعمل والعلاقات الاجتماعية، فإن الخطوة الأكثر أماناً هي التوجه إلى مختص نفسي أو مرشد مؤهل للحصول على تقييم مهني دقيق وخطة علاجية مناسبة.
فالصحة النفسية، تماماً مثل الصحة الجسدية، تحتاج أحياناً إلى تشخيص وعلاج متخصصين، ولا يمكن الاكتفاء فيها بالمعلومات العامة أو النصائح المتداولة عبر الإنترنت.










