“لم أكن أؤمن أن الغيرة يمكن أن تدخل بيني وبين أختي… حتى دخلت الأزمة بيتنا”. هكذا بدأت آية ذات الثلاثون عاماً حديثها لـ”963+”. تقول إنها كانت تعمل معلمة في مدرسة خاصة، بينما أختها الأكبر متزوجة من رجل يعمل خارج البلاد ويرسل المال بانتظام.
تضيف: “في البداية لم يكن الأمر يهمني كنا نعيش بستر لكن مع ارتفاع الأسعار وتراجع الرواتب، صار الفرق واضحاً. أختي تشتري لأطفالها كل ما يريدون، وأنا أؤجل شراء حذاء جديد لابني بحجة أنه ما زال جيداً”.
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتداعيات الانهيار الاقتصادي، لم تعد الضغوط المعيشية مجرد أرقام تتعلق بالتضخم وارتفاع الأسعار، بل تحولت إلى واقع يومي ينعكس على تفاصيل العلاقات الاجتماعية، وخصوصاً بين النساء. ففي سوريا، حيث تتحمل كثير من النساء أعباء مضاعفة بين العمل ورعاية الأسرة وتأمين الاحتياجات الأساسية، تتخذ مشاعر الغيرة أبعادًا جديدة تتجاوز إطارها التقليدي.
اقرأ أيضاً: المرأة والاقتصاد السوري: عمود اقتصادي أم بديل إجباري؟ – 963+
أين وصلت الغيرة؟
لم تعد الغيرة النسائية مرتبطة فقط بالمقارنات الشكلية أو العاطفية، بل باتت تتغذى من فروقات الدخل، وفرص العمل، والقدرة على الصمود في وجه الغلاء. وبين صديقات الحي، وزميلات العمل، وحتى داخل العائلة الواحدة، تتسلل مشاعر المنافسة والاحتقان أحيانًا، مدفوعة بشعور بالحرمان أو الخوف من فقدان الاستقرار المحدود المتبقي.
تعترف آية أن الغيرة لم تكن من أختها كشخص، بل من شعورها بالعجز وتكمل “كنت أزورهم وأبتسم، لكن في داخلي سؤال موجع: لماذا حياتها أسهل؟ صرت أتجنب الزيارات، وأختلق الأعذار. حتى كلامها العادي عن مشترياتها كنت أسمعه كأنه استعراض، رغم أنني أعرف أنها لا تقصد”.
وفي نهاية حديثها تقول آية: “الأزمة الاقتصادية لا تخلق الغيرة من فراغ، لكنها تكشف هشاشتنا. حين يضيق الرزق، تضيق صدورنا أيضاً. تعلّمت أن أتكلم بدل أن أبتعد… لأن الصمت كان يؤذينا أكثر من الفقر نفسه”.
قصة آية ليست استثناءً، بل واحدة من حكايات كثيرة باتت تتكرر في زمن الأزمات الاقتصادية، حيث تختلط مشاعر التضامن بالمقارنة، وتتسلل الغيرة إلى العلاقات بصمت، ليبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الصداقة الصمود عندما يفرض الواقع فروقاً قاسية في الظروف المعيشية؟
ووفق تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي، يعيش حوالي 69 % من السكان في حالة فقر عام في سوريا، بينما وصلت نسبة الفقر المدقع إلى نحو 27 % في 2022 بعد عقد من الحرب والدمار الاقتصادي.
وتروي ليلى (27 عاماً) أن صداقتها مع نادين استمرت منذ أيام الجامعة وتقول لـ”963+”: “كنا نتقاسم كل شيء، حتى أحلامنا الصغيرة عن بيت ووظيفة مستقرة”.
ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية، فقدت نادين عملها، بينما حصلت ليلى على وظيفة بدخل جيد نسبياً. في البداية بدت نادين داعمة، لكنها بدأت تدريجياً تغيّر أسلوبها. “كانت تضحك وهي تقول: شكلك نسيتي أصحابك بعد ما صرتِ تقبضي بالدولار. كنت أظنها مزحة، لكن التلميحات لم تتوقف. ثم تحوّلت المقارنات إلى انتقادات علنية أمام الآخرين، والتعليقات إلى تشكيك بجهد ليلى، وكأن نجاحها جاء صدفة لا استحقاقاً”.
وتتابع حديثها “أصبحت أشعر أن كل خبر جيد أشاركه معها يتحول إلى عبء. لم تعد تفرح لي، بل تقيس حياتها بحياتي”.
وفي إحدى المرات، واجهتها ليلى، فجاء الرد قاسياً “مو ذنبي إنو حظك أحسن من حظي. بعدها انقطعت المكالمات، وتباعدت اللقاءات، حتى صارت العلاقة مجرد ذكرى”.
تقول ليلى: “الأزمة لم تسرق المال فقط، سرقت أماننا الداخلي. وأحياناً، حين يضيق العيش، تضيق معه القلوب”.
اقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة.. انتهاك متجذّر يهدد المجتمعات – 963+
تفاوت الإمكانيات المادية ومشاعر الغيرة والإحباط
تقول الناشطة الاجتماعية سينار عبد الباقي علي من القامشلي إن الأزمة الاقتصادية لا تؤثر فقط على الدخل المادي للأفراد، بل تمتد آثارها إلى الحالة النفسية والعلاقات الاجتماعية بين الناس، مشيرة إلى أن المال أصبح اليوم محركاً أساسياً لدورة الحياة، الأمر الذي يجعل الأزمات الاقتصادية تنعكس على مختلف جوانب الحياة اليومية والمهنية والدراسية وحتى الفنية.
وتوضح أن ضعف الإمكانيات المادية لدى بعض النساء مقابل توفرها لدى أخريات في البيئة نفسها قد يخلق شعوراً بالغيرة أو الإحباط، ليس بدافع الحسد بقدر ما هو نتيجة شعور بعدم تكافؤ الفرص. فبعض النساء يبذلن جهودًا كبيرة لتحقيق أهدافهن، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تطمس هذه الجهود، ما يترك أثرًا نفسياً سلبياً. وفي المقابل قد تشعر بعض النساء اللواتي يمتلكن إمكانيات أكبر بنوع من التباهي، وهو ما قد يساهم في خلق فجوة أو شرخ اجتماعي بين الفئات المختلفة.
وتضيف لـ”963+” أن مقارنة المرأة نفسها بالآخرين من الناحية الاقتصادية وحصر التفكير في المال فقط يدفع نحو التركيز على المظاهر والشكليات، مؤكدةً أن المرأة التي تعاني من الضغوط المالية، وكذلك التي لا تعاني منها، قد تقعان في فخ التفكير ضمن إطار الشكليات، ما ينعكس سلبًا على تقدير الذات.
وتلفت إلى أن قيمة المرأة في بعض المجتمعات تُربط أحيانًا بمستوى معيشي معين أو بصورة اجتماعية محددة، وعندما يتراجع هذا المستوى يتراجع معه الشعور بالقيمة الذاتية. وتلاحظ أن فئة المراهقات والشابات تميل في الوقت الحالي إلى الاهتمام بالمظاهر على حساب الجوانب المعنوية في الشخصية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكوين شخصيات سطحية تفتقر إلى العمق.
كما تشير إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى مساحة واسعة لعرض أنماط حياة مثالية ومزيفة في كثير من الأحيان، وهو ما يؤثر بشكل خاص على الشابات والنساء. وفي ظل ضعف الوعي، يصبح التقليد للمحتوى المعروض ظاهرة متزايدة، ما ينعكس أحيانًا على شكل مشكلات عائلية واجتماعية عندما تحاول بعض النساء تقليد حياة الرفاهية الظاهرة لدى ما يسمى بالمؤثرات، رغم اختلاف الظروف والواقع المعيشي.
وترى أن التقليد لا يقتصر على العالم الافتراضي، بل يمتد أيضًا إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية، فحين يكون أحد الأطراف أكثر نجاحًا أو ثراءً من الآخر، ومع غياب الوعي الاجتماعي والمؤسساتي، قد يتجه الطرف الآخر إلى التقليد الزائف بدل السعي الحقيقي للتطور، بل وقد يتحول الأمر في بعض الحالات إلى محاولة التقليل من نجاح الآخرين أو إضعافه، وهو ما قد يظهر بين الأخوات أو داخل العلاقات العائلية المختلفة.
وتؤكد أن العامل الأساسي وراء هذه الظواهر هو مستوى الوعي في المجتمع، مشددة على أن تعزيز الوعي وتمكين النساء فكرياً وثقافياً يمكن أن يحد من هذه المشكلات إلى حد كبير. وتعتبر أن مسؤولية نشر هذا الوعي تبدأ من الأسرة، ثم تمتد إلى النخب الثقافية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، مؤكدة أن النساء يجب أن يكنّ في طليعة هذا المسار.










