تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سوريا لا تزال تواجه تحديات معقدة في إدارة أمن حدودها، رغم دخولها مرحلة انتقالية جديدة بعد سنوات من الحرب، فامتداد الحدود البرية مع خمس دول، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الأمنية، واستمرار نشاط شبكات التهريب، ومخاطر تحركات خلايا تنظيم “داعش”، جعل من أمن الحدود أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالأمن الوطني والاستقرار الإقليمي.
كما تؤكد تقارير أممية أن استمرار هشاشة بعض المناطق الحدودية ينعكس على ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، في وقت تشدد فيه المؤسسات الدولية على أهمية تعزيز قدرات الدولة، وتطوير التعاون مع دول الجوار، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية بما يواكب مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، برزت خلال العامين الأخيرين خطوات لتعزيز التنسيق الأمني بين سوريا وعدد من الدول المجاورة، ولا سيما في مكافحة تهريب المخدرات والأسلحة ومنع إعادة تشكل خلايا تنظيم “داعش”، إلا أن خبراء يرون أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بإنشاء منظومة متكاملة تجمع بين الأمن والتكنولوجيا والتنمية المحلية والتعاون الإقليمي، بما يحول الحدود من نقاط هشاشة إلى خطوط دفاع متقدمة تدعم الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية.
أمن الحدود يحتاج إلى قيادة موحدة وتنمية
يرى الكاتب الصحفي في مجلة الأهرام العربي المصرية، إلهامي المليجي، في حديثه لـ”963+”، أن واقع الحدود السورية لا يزال يمر بمرحلة انتقالية غير مكتملة، موضحاً أن مستوى الانتشار والتنسيق شهد تحسناً في بعض القطاعات والمعابر، إلا أن الحدود السورية الطويلة والمتنوعة جغرافياً ما تزال تعاني آثار سنوات الحرب، وتعدد القوى المسلحة، وانتشار شبكات التهريب.
ويشير المليجي إلى أن أبرز التهديدات الأمنية تتمثل في تحركات خلايا تنظيم “داعش” عبر البادية والحدود الشرقية، وعمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، وتسرب المقاتلين، فضلاً عن انعكاسات الصراعات الإقليمية، والاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري. كما يلفت إلى أن التطورات التي شهدها مخيم الهول والحدود العراقية كشفت أن أي فراغ أمني يمكن أن يتحول سريعاً إلى تهديد عابر للحدود.
ويعتبر المليجي أن التنسيق الأمني والاستخباري يمثل حجر الزاوية في أي استراتيجية ناجحة لحماية الحدود، لأن الإرهاب والتهريب لا يعترفان بالحدود السياسية. ويضيف أن تبادل المعلومات وتنفيذ العمليات المشتركة أثبتا فعاليتهما، مستشهداً بالتعاون السوري الأردني الذي أسفر، في أبريل/نيسان 2026، عن ضبط نحو 5.5 ملايين حبة كبتاجون، إلى جانب تشكيل لجان مشتركة لمكافحة تهريب السلاح والمخدرات ومنع عودة تنظيم “داعش”.
ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التنسيق الظرفي إلى غرف ارتباط دائمة، وإنشاء قواعد بيانات مشتركة، واعتماد آليات اتصال فوري بين سوريا والعراق والأردن ولبنان وتركيا.
ويتابع أن التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب تستفيد من اتساع المناطق الصحراوية والجبلية، ووجود المعابر غير النظامية، وضعف البنية التحتية، فضلاً عن الروابط العشائرية والتجارية الممتدة على جانبي الحدود، إضافة إلى الفساد والحاجة الاقتصادية في بعض التجمعات المحلية.
ويضيف أن تلك التنظيمات باتت تستخدم وسائل أكثر تطوراً، تشمل الطائرات المسيّرة والبالونات الموجّهة، فضلاً عن إخفاء الأسلحة والمخدرات داخل الشاحنات والصهاريج. ويلفت إلى أن السلطات السورية اتخذت خطوات لتعزيز الحدود اللبنانية، وكثفت عمليات مكافحة التهريب، وعززت التنسيق مع العراق والأردن، إلا أنه يعتقد أن سد الثغرات يتطلب أيضاً تنمية المناطق الحدودية وإشراك سكانها في منظومة الإنذار المبكر.
وفي السياق ذاته، يرى المليجي أن التكنولوجيا قادرة على تعويض جزء من النقص في الأفراد والإمكانات، لكنها ينبغي أن تعمل ضمن منظومة موحدة للقيادة والسيطرة. ويشير إلى أهمية استخدام الطائرات المسيّرة في المراقبة الليلية والحرارية، والرادارات الأرضية، وأجهزة الاستشعار في الممرات الصحراوية، إضافة إلى ربط المعابر بكاميرات ذكية وقواعد بيانات موحدة.
كما يوضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكنها تحليل حركة المركبات، واكتشاف المسارات غير الطبيعية، وربط بيانات الأشخاص والشحنات والاتصالات لإصدار إنذارات مبكرة، لكنه يشدد على أن نجاح هذه الأدوات يرتبط بتدريب الكوادر، وحماية البيانات، ومنع استخدامها في التجسس على المواطنين أو انتهاك خصوصيتهم.
ويعتبر أن أبرز تحديات إعادة بناء منظومة أمن الحدود تتمثل في إعادة تأسيس جهاز مهني موحد بعد سنوات الحرب وتعدد التشكيلات وسلاسل القيادة، مشيراً إلى أن تدمير المراكز والطرق وأنظمة الاتصالات، ونقص التمويل والتجهيز والتدريب، وصعوبة استعادة الثقة مع المجتمعات الحدودية، تمثل جميعها عقبات إضافية.
كما يلفت إلى تحديات سياسية وسيادية، أبرزها عدم ترسيم أجزاء من الحدود مع لبنان، والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب، وتأثير الوجود العسكري الأجنبي والصراعات الإقليمية. ويؤكد أن بناء المنظومة يتطلب قيادة مركزية واضحة، وتوزيعاً محدداً للصلاحيات بين الجيش وحرس الحدود والجمارك والأمن الداخلي، مع وجود رقابة قانونية ومحاسبة مؤسسية.
ويختتم المليجي بالتأكيد على أن الرؤية المطلوبة تقوم على خمسة مسارات مترابطة، تتمثل في توحيد القيادة الأمنية والمعلوماتية، وتحديث البنية التكنولوجية، وبناء قوات حدود محترفة، وتنمية المجتمعات الحدودية، وإقامة تعاون مؤسسي دائم مع دول الجوار.
ويضيف أن الحدود الآمنة لا تُبنى بالأسلاك والجدران وحدها، وإنما بوجود دولة قانون، واقتصاد محلي يوفر بدائل عن التهريب، وسكان يشعرون بأنهم شركاء في حماية البلاد. كما يشدد على ضرورة الفصل بين التعاون الأمني المشروع وأي تدخل خارجي ينتقص من السيادة السورية، معتبراً أن تحقيق ذلك كفيل بتحويل الحدود من مناطق فراغ وتوتر إلى خطوط دفاع أولى وممرات قانونية للتجارة والتنمية والتواصل الإقليمي.
التكنولوجيا والتنسيق أساس حماية الحدود
من جانبه، يقول المختص في العلوم الديبلوماسية والاستراتيجية، حسان نصر فرج، لـ”963+”، إن أمن الحدود السورية يمر بمرحلة شديدة الحساسية نتيجة التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، موضحاً أن الحرب أضعفت قدرات مؤسسات الدولة، وأدت إلى تراجع السيطرة الفعلية على أجزاء من الحدود، الأمر الذي جعلها أكثر عرضة للتحديات الأمنية.
ويشير فرج إلى أن أبرز هذه التهديدات تتمثل في تسلل العناصر الإرهابية والمتطرفة، وتهريب الأسلحة والذخائر، وشبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن التدخلات الخارجية واستغلال بعض المناطق الحدودية لتحقيق مصالح إقليمية ودولية، إضافة إلى استمرار وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة في بعض المناطق الحدودية.
ويضيف أن خطورة هذه التهديدات تتضاعف بسبب الطبيعة الجغرافية المعقدة للحدود السورية الممتدة مع خمس دول، وتنوع تضاريسها بين الصحارى والجبال والسهول.
ويعتبر فرج أن التنسيق الأمني والاستخباري يعد أحد أهم أدوات حماية الحدود، لأن التهديدات العابرة للحدود لا تستطيع أي دولة مواجهتها بمفردها.
ويوضح أن هذا التعاون يشمل تبادل المعلومات الاستخبارية المتعلقة بتحركات الجماعات الإرهابية، والتنسيق في ملاحقة المطلوبين، وتنفيذ عمليات متزامنة ضد شبكات التهريب، والتعاون في ضبط المعابر الشرعية، وتطوير آليات الإنذار المبكر للأخطار العابرة للحدود.
ويضيف أن فعالية هذا التعاون تزداد كلما ارتفع مستوى الثقة السياسية بين سوريا ودول الجوار، بما يسهم في الحد من الإرهاب والجريمة المنظمة.
ويتابع أن التنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب تعتمد على مجموعة من الثغرات، من أبرزها اتساع الحدود وصعوبة مراقبتها بالكامل، وضعف البنية التحتية للمراقبة في بعض القطاعات، ونقص التجهيزات التقنية الحديثة، واستغلال الظروف الاقتصادية للسكان المحليين في عمليات التهريب، إضافة إلى الفساد الإداري في بعض المعابر، وغياب التكامل الكامل بين الجهات الأمنية المختلفة.
ويرى أن معالجة هذه الثغرات تتطلب تعزيز الرقابة الإلكترونية، ومكافحة الفساد، وتطوير القدرات الاستخبارية، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية الحدود، إلى جانب تحديث التشريعات الخاصة بمكافحة التهريب والإرهاب.
ويشير فرج إلى أن التكنولوجيا أصبحت عنصراً أساسياً في أمن الحدود الحديثة، موضحاً أن الاستفادة منها يمكن أن تتم عبر استخدام الطائرات المسيّرة للمراقبة المستمرة، وتركيب كاميرات حرارية بعيدة المدى، وبناء أبراج مراقبة ذكية مرتبطة بغرف عمليات مركزية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والبيانات ورصد الأنماط غير الطبيعية، واستخدام أجهزة الاستشعار الأرضية لكشف التسلل، وإنشاء قواعد بيانات بيومترية للمسافرين والمطلوبين، فضلاً عن دمج جميع المعلومات ضمن منصة قيادة وسيطرة موحدة.
ويعتقد أن هذه الإجراءات ستسهم في تقليل زمن الاستجابة، وخفض الكلفة التشغيلية، ورفع كفاءة قوات حرس الحدود.
ويلفت فرج إلى أن إعادة بناء منظومة أمن الحدود تواجه تحديات متعددة، فعلى المستوى البشري تبرز الحاجة إلى تدريب كوادر جديدة، ورفع الكفاءة المهنية، وتطوير العقيدة الأمنية بما يتوافق مع دولة القانون. أما على المستوى التقني، فيشير إلى ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية الحدودية، وتوفير التمويل اللازم للتقنيات الحديثة، وتحديث وسائل الاتصال والمراقبة.
وعلى المستوى المؤسسي، يؤكد أهمية تحسين التنسيق بين الجيش والأمن العام والجمارك وإدارة الهجرة، وإنشاء مركز وطني موحد لإدارة أمن الحدود، إلى جانب تحديث التشريعات بما ينسجم مع المعايير الدولية.
ويختتم فرج حديثه بالتأكيد على أن الرؤية المستقبلية لأمن الحدود ينبغي أن تنطلق من اعتبار الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، وإنما منظومة أمنية وتنموية متكاملة.
ويوضح أن هذه الرؤية ترتكز على سبعة محاور رئيسية، تشمل بناء قيادة وطنية موحدة لإدارة أمن الحدود، واستكمال التحول الرقمي الشامل في جميع المعابر، وإنشاء شبكة مراقبة إلكترونية متكاملة تغطي كامل الحدود، وتطوير قدرات الاستخبارات الحدودية والإنذار المبكر، وتعزيز التعاون الأمني مع دول الجوار وفق اتفاقيات ثنائية وإقليمية، وتنمية المناطق الحدودية اقتصادياً واجتماعياً للحد من بيئة التهريب والتطرف، والاستثمار المستدام في تدريب العنصر البشري والتقنيات الحديثة.
ويخلص إلى أن تحقيق هذه الرؤية من شأنه أن يحول الحدود السورية من نقاط ضعف أمنية إلى خط الدفاع الأول عن الأمن الوطني، وأن يسهم في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وتهيئة بيئة أكثر أماناً للتنمية الاقتصادية والتعاون الإقليمي.




