ما كان صعود أحمد الشرع إلى سدة الحكم في دمشق مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان إيذاناً ببدء عملية تفكيك ممنهجة لما عرف لعقود بـ “الهلال الشيعي”. هذه العملية، التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل بدعم من قوى إقليمية، تجد في الدولة السورية الجديدة شريكاً “واقعياً” يسعى إلى تثبيت شرعيته الدولية مقابل التخلي عن تحالفاته القديمة والانخراط في مواجهة مباشرة، استخباراتية وعسكرية، مع “حزب الله” في لبنان. وهذا ما يمكن قراءته أولياً من حشود عسكرية سورية على الحدود الشرقية للبنان.
أدرك الشرع أن مفتاح انتشال سوريا من عزلتها الدولية وانهيارها الاقتصادي يكمن في “الاستدارة غرباً”. وهذه الاستدارة لم تكن مجرد خيار سياسي، بل كانت ضرورة وجودية للنظام الجديد الذي واجه في عامه الأول تحديات هائلة. ونجح الشرع في تقديم نفسه كشريك “موثوق” في مكافحة الإرهاب، في تحول رمزي أعقبه خطوات عملية شملت قطع طرق الإمداد الإيرانية المتجهة إلى لبنان، والبدء في ملاحقة الخلايا الأمنية التابعة لحزب الله داخل الأراضي السورية.
بدأت الحرب على إيران باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في مجمعه بطهران. هذا الزلزال في قمة الهرم الإيراني أدى إلى ارتباك شديد في صفوف وكلاء إيران، وعلى رأسهم حزب الله، فوجد نفسه مضطراً للرد دفاعاً عن وجوده وعن “قدسية” قيادته.
بالنسبة لدمشق، هذه اللحظة هي “الضوء الأخضر” الفعلي للمضي قدماً في تصفية الحسابات مع الحزب من دون خشية من ردة فعل إيرانية رادع، فطهران تواجه حملة عسكرية شعواء تهدف إلى تغيير نظامها.
لم يكن التوتر السوري-اللبناني وليد اللحظة، بل تراكم منذ مطلع عام 2026 مع اتهام دمشق “حزب الله” بالوقوف وراء سلسلة من التفجيرات والهجمات بطائرات مسيرة استهدفت حي المزة والمطار العسكري بدمشق. وأعلنت الداخلية السورية عن تفكيك “خلية إرهابية” مرتبطة بالحزب، مؤكدة أن الأسلحة المستخدمة تم تهريبها من لبنان. هذه الاتهامات نقطة تحول في الخطاب السوري، حيث انتقلت دمشق من “التباعد الصامت” إلى “الاتهام العلني” بالإرهاب. ولا شك في أن إثارة قضية “خلية المزة” هدفت إلى خلق “بيئة تحضيرية” لتبرير أي تدخل عسكري سوري مستقبلي في لبنان.
إلى ذلك، حاولت دمشق عبر وسطاء استعادة صواريخ بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي كان نظام الأسد قد نقلها إلى “حزب الله” في سهل البقاع. فرفض الحزب معتبراً إياها “جزءاً من منظومة الردع”، في حين ترى إدارة الشرع أن بقاء هذه الأسلحة بيد ميليشيا معادية يشكل تهديداً مباشراً لأمن دمشق. وجدير بالذكر أن الجيش السوري الجديد يمتلك دافعاً أيديولوجياً قوياً لمواجهة الحزب. فمعظم عناصره هم من ضحايا تدخل الحزب في سوريا بين 2012 و2024 . وهذا “الثأر التاريخي” يتم استثماره الآن سياسياً وعسكرياً لتنفيذ أجندة تفكيك “الهلال الشيعي” بأدوات سورية محلية.
لا يمكن فهم الاندفاع السوري نحو المواجهة مع “حزب الله” من دون النظر إلى “المكافأة” المالية الموعودة. ففي شباط/فبراير 2026، وقع وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح في دمشق حزمة اتفاقيات استراتيجية بقيمة مليارات الدولارات. هذه الاستثمارات لم تكن مجرد دعم اقتصادي، بل كانت “تثبيتاً” لخيارات دمشق السياسية بعيداً عن طهران.
تؤكد هذه المشاريع أن الاستراتيجية الأميركية-السعودية تعتمد على مبدأ “الإعمار مقابل الأمن”. فكلما زاد انخراط دمشق في تفكيك شبكات “حزب الله”، زاد تدفق الأموال اللازمة لانتشال 90% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر. يدرك الشرع أن بقاءه في السلطة يعتمد على تحسين مستوى المعيشة، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا عبر الانصياع لشروط “نادي المانحين” الدولي.
يتحدث ديبلوماسيون عن “ضوء أخضر” أميركي لدمشق للقيام بعملية “جراحية” في البقاع اللبناني لتدمير منصات الصواريخ التي أطلقت منها المسيرات باتجاه دمشق، وقطع طرق التهريب التي يستخدمها الحزب لنقل الأسلحة والمخدرات، وتفكيك “دويلة البقاع” لإضعاف السيطرة الأمنية للحزب في المناطق المتاخمة للحدود السورية لخلق منطقة عازلة. ورغم النفي الرسمي السوري لوجود نية للاجتياح، فإن التصريحات التي تشير إلى أن “الحساب مع حزب الله ما زال مفتوحاً” تزيد من احتمالية اندلاع شرارة المواجهة في أي لحظة.
إنها خطوة تلتقي مع ما يجري في إيران. تراهن إدارة ترامب الثانية على أن “تفكيك الهلال الشيعي” يمهد الطريق لنظام إقليمي جديد يعتمد على التنمية والتبادل التجاري بدلاً من المحاور العسكرية. هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر جسيمة. فإيران، رغم “قطع رأسها” السياسي، لا تزال تمتلك “بنية وكيلة موزعة” صممت خصيصاً للبقاء بعد ضربات الانقضاض.
وبينما تقوى الدولة السورية الجديدة، يترنح لبنان تحت وطأة أزمات متداخلة. فالحكومة اللبنانية بقيادة نواف سلام، وتحت ضغط دولي هائل، بدأت في تنفيذ خطة “درع الوطن” لنزع سلاح حزب الله، وأصدرت في آذار/مارس 2026 قراراً بحظر كافة أنشطته العسكرية والأمنية. هذا الوضع وضع حزب الله في “كماشة” استراتيجية: من الجنوب حرب مدمرة مع إسرائيل واغتيالات طالت كبار قادته، بما في ذلك حسن نصر الله في 2024 ونعيم قاسم الذي بات مهدداً بالتصفية في 2026؛ ومن الشرق جيش سوري معادٍ يحشد قواته ويغلق طرق الإمداد ويتهمه بالإرهاب؛ في الداخل حكومة لبنانية تسعى لسحب البساط القانوني من تحت قدميه وعزلة شعبية متزايدة حتى ضمن بيئته الحاضنة التي بدأت تئن من ويلات الحرب.
إن تفكك “الهلال الشيعي” يعني عملياً تحويل حزب الله من قوة إقليمية عابرة للحدود إلى ميليشيا محلية محاصرة، وهو ما تسعى إليه الاستراتيجية الأمريكية لعام 2026 عبر “تأليب” دمشق وبيروت ضده في آن واحد.
بناءً على المعطيات الميدانية، تورط الشرع في مواجهة مع “حزب الله” لم يعد احتمالاً، بل ضرورة لتأمين الاعتراف الأميركي والتمويل العربي، خصوصاً بعدما نجحت الاستراتيجية الدولية في قطع شريان الحياة الإيراني الواصل إلى بيروت عبر دمشق، ما جعل الحزب يعتمد على الإنتاج المحلي والتهريب البحري المحدود، وهو ما يسهل عملية استنزافه عسكرياً. من خلال “آلية الدمج المشتركة” مع إسرائيل، تعود سوريا للعب دور “الشرطي” في المنطقة، لكن هذه المرة تحت المظلة الأميركية لا الإيرانية.
ضغط حزب الله المزدوج من سوريا وإسرائيل قد يدفع الأخير لشن “حرب انتحارية” شاملة أو تفجير الوضع الداخلي اللبناني، ما يتطلب تدخلات إنسانية وأمنية دولية عاجلة.










