رغم انهيار سلطة النظام السابق، لم يتبدد تنظيم “داعش”، بل أصبح كظلّ طويل يلوذ بين شقوق الفوضى، يستفيد من كل فراغ في الأرض السورية، مستمراً في نشر تهديداته عبر الهجمات المفاجئة والتسجيلات المهددة، ليذكّر الجميع بأن الانقسام والفوضى هما البيئة التي تمنحه القدرة على الحركة، وأن وجوده لا يُقاس بالسيطرة على المدن بل بقدرته على إرباك الواقع والتهديد من بعيد.
ويتحرك التنظيم بأسلوب حرب العصابات، يختفي ويظهر بين الطرقات والبادية، ينفذ هجماته المحدودة والمتفرقة، كمن يمشي على حافة الخطر، مستغلاً كل ضعف في الرقابة أو التنسيق الأمني. هذه العمليات تكشف عن هشاشته، لكنها أيضاً تذكّر بأن الظلّ قد يكون أكثر تأثيراً مما يبدو على السطح.
تمويله أصبح خفياً، قائماً على الابتزاز والتهريب، دون أي قدرة على إدارة اقتصاد دولة، ما يجعل وجوده هشاً من الناحية البنيوية لكنه مستمر في استغلال الفراغ والفوضى وغياب الاستقرار. ومن خلف الشاشات، يبث تهديداته الرقمية ليضفي بعداً نفسياً على تهديده الواقعي، محولاً خوف الناس إلى أداة استمرار ضمنية.
وفي النهاية، يظهر داعش ليس كقوة مسيطرة، بل كظلّ مستمر يختبئ في الزوايا، يختبر هشاشة الواقع، ويذكّر بأن استدامته تعتمد على استمرار الفوضى نفسها. التعامل معه يحتاج إلى نهج متكامل يجمع بين الأمن، المراقبة الدقيقة، والإجراءات السياسية والاجتماعية، لمنع تحوله من ظل مزعج إلى خطر حقيقي.
اقرأ أيضاً: كيف يحاول “داعش” البقاء في سوريا؟ – 963+
ورقة ضغط دولية تُحرك وفق حسابات المصالح الكبرى
وفي هذا الشأن، يقول الدكتور جاسم الغرابي، الباحث في الشؤون السياسية، لـ”963+” إن تنظيم “داعش” يُعدّ حركة راديكالية مصنّفة دولياً، مشيراً إلى أن تحركاته لا يمكن فصلها عن شبكة التمويل والدعم التي تقف خلفه.
ويضيف أن ما جرى في العراق عام 2014، حين تمكن التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة تُقدَّر بثلثي البلاد خلال فترة وجيزة، يطرح تساؤلات جدّية حول الجهات التي سهّلت تمدده وقدرته على التحرك بهذا الشكل المنظّم.
ويوضح الغرابي أن القوى الكبرى، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك من الأدوات والنفوذ ما يمكّنها من التأثير في مسارات التنظيمات المتطرفة، ويعتبر أن “داعش تحوّلت في مرحلة ما إلى ورقة ضغط دولية تُحرَّك وفق حسابات المصالح، سواء في سوريا أو العراق أو دول الخليج أو حتى في شمال أفريقيا”.
ويتابع أن السؤال الأبرز اليوم لا يتعلق بقدرة التنظيم على التحرك بقدر ما يتعلق بهوية الممولين والداعمين ومن يقف خلف إعادة تنشيطه في مناطق مختلفة معتبراً أن بعض الدول الكبرى تستخدم مثل هذه التنظيمات كأدوات لإعادة رسم التوازنات السياسية في المنطقة.
ويختم الغرابي بالقول إن ممارسات هذه الجماعات المتطرفة أسهمت في تشويه صورة الإسلام والإساءة إلى المجتمعات العربية والكردية والمسيحية في الشرق الأوسط، ويؤكد أن الإرهاب لا دين له، وأن توظيفه سياسياً يبقى جزءاً من صراعات النفوذ الدولية
اقرأ أيضاً: داعش في سوريا 2026: هجمات استنزاف استراتيجية تهدد المرحلة الانتقالية – 963+
عودة “داعش” إلى نموذج الخلايا اللامركزية
بدوره يقول الدكتور مروان شحادة، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية والمقيم في الأردن، لـ”963+” إن تنظيم “داعش” عاد إلى نموذج الخلايا اللامركزية الذي كان يعتمده في مراحله الأولى، ويوضح أن التنظيم مرّ بتحولات بنيوية واضحة خلال السنوات الماضية.
ويبين شحادة أن داعش بدأ كتنظيم سري يعمل عبر خلايا أمنية وعسكرية محدودة، قبل أن ينتقل إلى العمل العلني عقب سيطرته على مساحات جغرافية واسعة في العراق وسوريا وإعلانه “الخلافة”. أما اليوم، وبعد خسارته السيطرة المكانية، فقد عاد إلى نمط التنظيم السري، معتمداً على خلايا نائمة تنفذ عمليات اغتيال واستهداف دوريات ومهاجمة مواقع عسكرية ومدنية بشكل مباغت وسري.
ويشير إلى أن عدة مناطق سورية، بينها الرقة والحسكة وحمص، شهدت هجمات تبناها التنظيم، استهدفت دوريات تابعة لقوات الحكومة السورية، في إطار استراتيجية الاستنزاف التي يتبعها حالياً.
وفيما يتعلق بالإعلام، يوضح شحادة أن التنظيم امتلك خلال فترة تمدده بين عامي 2014 و2017 أجهزة وأدوات إعلامية رقمية متطورة، واستخدم تطبيقات مشفّرة خاصة به، ما منحه خبرة متقدمة في الإعلام الرقمي.
لكنه يلفت إلى أن التنظيم فقد جزءاً كبيراً من أجنحته الإعلامية الفاعلة بعد مقتل واعتقال العديد من عناصره، وخروج مكاتبه في بعض “الولايات” مثل ليبيا وأفغانستان عن الخدمة، إضافة إلى تراجع المنصات غير الرسمية التي كانت تعيد نشر إصداراته.
ورغم ذلك، يؤكد أن “داعش” لا يزال يوظف منصات رقمية لبث خطابه الدعائي، واستقطاب وتجنيد عناصر جدد، فضلاً عن تدريب كوادره في المجالات الإعلامية والدعوية والأمنية.
تحديات أمنية واستمرار نشاط الاستقطاب
أما بشأن السجون، فيرى شحادة أنها تمثل ما يُعرف بـ“المدرسة اليوسفية” داخل التنظيم، إذ تؤدي دوراً في الحفاظ على البنية الأيديولوجية حتى وإن ضعفت البنية التنظيمية.
ويلفت إلى أن فترات الاعتقال الطويلة قد تُضعف التوجهات الفكرية لدى بعض الأفراد، خاصة مع فشل التنظيم في تنفيذ عمليات واسعة لتحرير المعتقلين، مستشهداً بأوضاع عائلات وقيادات التنظيم في مخيمات مثل الهول وروج.
ويختم بالقول إن نشاط الدعوة والاستقطاب وبث أفكار التنظيم لا يزال حاضراً، وإن بدرجات متفاوتة، داخل بعض مخيمات الاحتجاز، ما يشير إلى استمرار التحدي الأمني والفكري المرتبط بالتنظيم.










