شهدت الجغرافيا السياسية السورية منذ ديسمبر 2024 تحولاً هو الأضخم منذ منتصف القرن العشرين، حيث أدى سقوط نظام الأسد إلى إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى في المشرق العربي. ومع بروز أحمد الشرع، المعروف سابقاً بلقب “أبو محمد الجولاني”، كزعيم سياسي ورئيس للجمهورية السورية في عام 2025، دخلت دمشق مرحلة “تصفير المشكلات” والفك التدريجي للارتباط بـ “محور المقاومة” الإيراني، متجهة نحو بناء تحالفات استراتيجية مع تركيا، والمملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة. هذا التموضع الجديد يضع الحكومة السورية أمام اختبارات وجودية في حال انفجار مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة بين المحور الأميركي-الإسرائيلي من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، لا سيما مع احتمالية مطالبة دمشق بالمشاركة الفعلية في هذا الصراع.
إن فهم ردة فعل دمشق تجاه أي حرب إقليمية قادمة ينطلق من فهم طبيعة التحول الذي قاده أحمد الشرع. فمنذ خطابه في الجامع الأموي بدمشق، وصف الشرع سقوط النظام السابق بأنه “فصل جديد” ونقطة تحول للمنطقة، مديناً إيران بصفتها “مصدر الطائفية والفساد”. ولم يتوقف الأمر عند الخطاب السياسي، بل انتقلت الحكومة الانتقالية، ثم الدائمة، إلى إجراءات عملية لتفكيك البنية التحتية العسكرية الإيرانية التي تراكمت على مدار عقدين.
أثبتت الحكومة السورية الجديدة جديتها في هذا المسار من خلال طرد ميليشيات إيران وحزب الله من الأراضي السورية، وهي الخطوة التي وصفها الرئيس الشرع في مقابلته مع “واشنطن بوست” بأنها “إزالة لمبررات القلق الإسرائيلي”. هذا الطرد لم يكن مجرد استجابة لمطالب خارجية، بل كان ركيزة أساسية لاستعادة السيادة الوطنية السورية وبناء جيش وطني موحد يرفض منطق “الدولة داخل الدولة”.
يمثل الجيش السوري اليوم خليطاً معقداً من فصائل المعارضة السابقة، والضباط المنشقين، والوحدات التي تم استيعابها من الجيش القديم بعد عمليات “غربلة” أمنية وسياسية. وتعتبر عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (SDF) في يناير 2026، بعد حملة عسكرية قصيرة وضغوط أميركية وتركية، العلامة الفارقة في توحيد البندقية السورية تحت قيادة واحدة في دمشق.
شكلت الحرب التي دارت بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، والتي استمرت 12 يوماً، أول اختبار حقيقي لسياسة دمشق الخارجية الجديدة. خلال هذا النزاع، الذي شهد تدمير منشآت نووية إيرانية واغتيال قيادات بارزة مثل حسين سلامي ومحمد باقري، اتخذت حكومة أحمد الشرع موقف “المتفرج النشط”. وبينما كانت الصواريخ الإيرانية تعبر الأجواء السورية وتعترضها الدفاعات الإسرائيلية، لزمت دمشق الصمت الرسمي المطبق، رافضة التنديد بالضربات الإسرائيلية، على عكس بقية الدول العربية التي استنكرت انتهاك سيادة الأراضي الإيرانية. هذا الموقف السوري عكس فهماً عميقاً للمصالح الوطنية؛ فالتدخل لصالح إيران كان سيعني تعريض عملية إعادة الإعمار، التي بدأت لتوها، لخطر القصف الإسرائيلي الشامل. كما أن الشارع السوري، الذي لا يزال يضمد جراحه، لم يبدِ أي تعاطف مع المحور الإيراني، حيث اعتبر الكثيرون في دمشق أن كلا النظامين (الإيراني والإسرائيلي) يمثلان خطراً على سوريا، لكن الأولوية هي للبناء الداخلي.
لا يمكن فصل القرار العسكري السوري عن الواقع الاقتصادي في عام 2026. فقد بدأت سوريا في جني ثمار “الانفتاح بضمانات”؛ حيث ارتفعت قيمة الليرة السورية بنسبة 20%، وحقق الناتج المحلي نمواً بنسبة 5% في عام 2025. وتدفقت استثمارات بمليارات الدولارات من دول الخليج وتركيا، مما جعل الاستقرار الأمني ثروة قومية يجب الحفاظ عليها.
في حال اندلاع حرب شاملة، وطُلب من سوريا المشاركة ضد إيران، تبرز ثلاثة سيناريوهات أساسية تحكمها موازين القوى والضغوط الدولية.
السيناريو الأول: الحياد “المسلح” ومنع استخدام الأراضي السورية – في هذا السيناريو، ترفض سوريا الانخراط العسكري المباشر ولكنها تتخذ إجراءات صارمة لمنع إيران من استخدام أراضيها كمنصة هجومية. وهذا يشمل إغلاق المجال الجوي السوري أمام الطائرات والمسيرات الإيرانية، وتشديد الرقابة على الحدود العراقية-السورية لمنع مرور فصائل الحشد الشعبي.
المزايا: الحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية الاستثمارات الخليجية والتركية.
المخاطر: احتمال تعرض سوريا لضربات “عقابية” من إيران أو عبر خلاياها النائمة في الداخل السوري (Stay-behind networks).
الموقف الدولي: سيحظى هذا الموقف بدعم روسي وتركي قوي، حيث تسعى موسكو وأنقرة لتجنب حرب إقليمية قد تخرج عن السيطرة.
السيناريو الثاني: التعاون “الاستخباري واللوجستي” مع التحالف الأميركي-الإسرائيلي – يمثل هذا السيناريو تطوراً للموقف الحالي، حيث تقدم دمشق تسهيلات للتحالف دون إرسال قوات للقتال في الخارج. يشمل ذلك تقديم إحداثيات لمخازن الأسلحة الإيرانية السرية، والتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية (CIA) لتفكيك شبكات التجسس التابعة لفيلق القدس.
المزايا: تسريع وتيرة رفع العقوبات الأميركية المتبقية والحصول على مساعدات عسكرية نوعية لإعادة بناء سلاح الجو والدفاع الجوي السوري.
المخاطر: زيادة وتيرة محاولات اغتيال كبار المسؤولين السوريين من قبل إيران.
السيناريو الثالث: المشاركة العسكرية المحدودة في “تطهير” الجيوب الحدودية – في هذا السيناريو، قد تجد سوريا نفسها مضطرة عسكرياً للاشتباك مع وكلاء إيران (مثل حزب الله أو فصائل عراقية) إذا حاولوا اختراق السيادة السورية لفتح جبهات ضد إسرائيل. هنا، سيقوم الجيش السوري الجديد بمهام “الشرطي الإقليمي” الذي يمنع الفوضى على حدوده الجنوبية والشرقية.
المبرر القانوني: الدفاع عن السيادة الوطنية ومنع تحويل سوريا إلى ساحة معركة بديلة.
الارتباط باتفاق السلام: قد تكون هذه المشاركة جزءاً من صفقة أوسع تشمل انسحاباً إسرائيلياً من الجولان أو تأجيره لمدة 25 عاماً ضمن “حديقة السلام” المقترحة في مفاوضات باريس.
إن السيناريوات المطروحة أمام حكومة الشرع تشير إلى أن سوريا في عام 2026 لم تعد “دولة تابعة” لأجندة الولي الفقيه، بل أصبحت دولة “واقعية سياسياً” تبحث عن شرعيتها عبر بوابة التنمية والاندماج الدولي. وفي حال نشوب الحرب، يرجح أن تتبنى دمشق سياسة “الحياد الفاعل” الذي يميل استراتيجياً نحو المحور الغربي-العربي، مع التركيز على حماية الساحة الداخلية من “ارتدادات الصدمة” الإيرانية.
إن المشاركة السورية في الحرب، إذا حدثت، لن تكون “هجومية” بل “تطهيرية” و”دفاعية”، تهدف بالدرجة الأولى إلى استكمال بناء الدولة السورية الحديثة على أنقاض النفوذ الإيراني. ومع استمرار مفاوضات السلام مع إسرائيل تحت رعاية إدارة ترامب، وتدفق الاستثمارات الخليجية، تصبح تكلفة الانحياز لإيران انتحاراً سياسياً واقتصادياً لن يقدم عليه أحمد الشرع.
يمكن استخلاص أن استقرار الحكومة السورية الجديدة يعتمد على قدرتها على إدارة “الصمت” في مواجهة طبول الحرب الإقليمية، مع تحويل “التهديد الإيراني” إلى فرصة لتعزيز التعاون الأمني مع الجوار والمجتمع الدولي، مما يضمن خروج سوريا من قائمة الدول المارقة إلى مرتبة الشريك الإقليمي الموثوق. الرهان السوري في 2026 هو رهان على “البناء” في زمن “الهدم” الإقليمي، وهو ما سيحدد مستقبل البلاد للعقود المقبلة.










