في بلد أنهكته الحرب والفساد، تبدو استعادة الأموال المنهوبة من رموز السلطة السابقة خطوة نحو العدالة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لكن الجدل يتصاعد حول الأبعاد الأخلاقية والقانونية لهذه الخطوة، والخوف من أن تتحول العدالة إلى سلعة يهدد العقد الاجتماعي، خصوصاً إذا أفلت كبار المتورطين من العقاب، بينما يؤكد خبراء الاقتصاد أن استرجاع الأموال قد يغيّر مسار الاقتصاد، ويرى القانونيون أن الخطر يكمن في تحويل الاسترداد إلى “سوق للتنازلات”، ما يطرح أسئلة حول مقبولية التسوية المالية مقابل إسقاط الملاحقة الجنائية وآليات ضمان عدم تحول العدالة إلى صفقة، لتبقى القضية المركزية: كيف تُستعاد الأموال، ومن يحاسَب، وأين تذهب؟
تجارب دولية: بين النجاح والإخفاق
يرى الناشط السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن استرداد الأموال المنهوبة يشكل ركيزة أساسية في العدالة الانتقالية وجبر الضرر، لكنه لا يغني عن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات والمحاكمات العادلة وإصلاح المؤسسات. المبدأ واضح: المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، والتسوية لا تلغي المسؤولية الجنائية، فالمال جزء من العدالة وليس بديلاً عنها، كما تظهر تجارب جنوب أفريقيا، حيث ارتبطت العدالة الانتقالية بالمحاسبة وكشف الحقيقة وليس بالتسويات المالية فقط.
وتُظهر تجارب دول مثل المغرب وتونس والعراق أن الفصل بين التسوية المالية والملاحقة الجنائية ضروري للحفاظ على الثقة العامة وتفادي فقدان الشرعية، بينما تلعب الشفافية في إدارة الأموال المستعادة دوراً حاسماً في إعادة الثقة.
ويخلص العبدالله إلى أن استرداد الأموال وحده لا يحقق الإصلاح، فالعدالة لا تُشترى، وأي صفقة مالية مع المتنفذين السابقين قد تكرس فكرة أن الجريمة تُسوى بالمال، وتقوض مبدأ المساواة أمام القانون وتضعف القضاء، مما يهدد فرص الإصلاح البنيوي ويعيد تدوير النخب المرتبطة بالنظام السابق.
حجم الأموال المنهوبة: أرقام تخفي معاناة شعب
يقول الناشط الحقوقي محمود الدخيل في تصريحات لـ”963+” إن عائلة الأسد ورجال أعمال محسوبين على النظام السابق يمتلكون أصولاً مجمّدة ومخفية تقدّر بعشرات المليارات، وقد نقلوا أموالهم إلى دول ثالثة قبل سقوط النظام وبعده عبر شبكات تحايل على العقوبات، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن المبالغ المحوّلة تتراوح بين 30 و40 مليار دولار، إضافة إلى الأراضي والعقارات والشركات المستحوذ عليها داخل سوريا، ما يخلق معادلة واضحة: ثروة هائلة في الخارج وبلد مدمر في الداخل.
ويرى الدخيل أن المجتمع السوري يواجه معضلة بين الحاجة الماسة للأموال لإعادة الإعمار وتعويض الضحايا، ومبدأ “عدم الإفلات من العقاب”، مؤكداً أن أي تسوية مالية تصبح جريمة إذا كانت وسيلة لإغلاق ملفات الفساد دون محاكمة، فالعدالة لا تُشترى، والثقة العامة تُبنى على الحقيقة والمحاسبة، التي يجب أن تشمل من نهب المال ومن تواطأ معه، لإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع وبين القانون والسلطة.
وفي بنوك وعواصم وملاذات مالية متفرقة حول العالم، تنام ملايين الدولارات منهوبة من خزينة الدولة السورية على مدى عقود، في المقابل، يعيش آلاف السوريين في مخيمات التهجير، وتنتظر مدن بأكملها إعادة إعمار لم تبدأ بعد.
يرى المحامي نزيه بشير في تصريحات لـ”963+” أن غياب الشفافية في تتبع الأموال المنهوبة يعقّد جهود الاسترداد، والخطر الأكبر يكمن في تحويل القضية إلى “سوق للتنازلات” يدفع فيه المتهم مالاً لشراء حريته وطمس جرائمه، ما يقوّض مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويضعف الثقة بالمؤسسات القضائية. فالمال العام حق مشترك للسوريين، ومسؤولية حمايته واجب دستوري، والاقتصار على استرجاع الأموال دون محاسبة جنائية يحوّل الجريمة الاقتصادية إلى استثمار مغرٍ للمستفيدين ويضعف هيبة القضاء، فيما القانون الدولي ومبادئ العدالة الانتقالية تشدد على أن مكافحة الفساد لا تكتمل إلا بالمحاسبة الجزائية.
ويشير بشير إلى أن المفاوضات غير الرسمية بعد سقوط النظام، القائمة على مبدأ “أعد المال واذهب بسلام”، تنطوي على مخاطر بالغة، إذ تساوي بين الجرائم المالية وجرائم الدم، وتُفقد الضحايا فرصة محاكمة من ظلمهم، وترسّخ فكرة أن السلطة تعمل بمنطق الصفقات وليس القانون. ويخلص بشير إلى أن استعادة الأموال دون محاكمة ليست عدالة انتقالية، بل مساومة على العدالة، ومن يساوم عليها يفتح الباب أمام فساد جديد.
مقترح قانوني نحو سياسة وطنية شاملة لاسترداد الأموال
قاضٍ سابق، تحدث لـ”963+” بشرط عدم الكشف عن اسمه، عن مجموعة من الخطوات العملية لبناء سياسة وطنية متكاملة في هذا الملف، من بينها: إقرار قانون خاص باسترداد الأموال والأصول المنهوبة، يحدد تعريفاً دقيقاً للأموال المتأتية من الفساد، وصلاحيات الجهات القضائية والرقابية، وآليات التعاون الدولي وتجميد الأصول في الخارج، وأيضاً إنشاء هيئة وطنية مستقلة لاسترداد الأموال المنهوبة، تضم ممثلين عن: وزارة العدل والنيابة العامة، وزارة المالية والجهات الرقابية المالية، وخبراء في القانون الدولي والجرائم الاقتصادية، مع ضرورة الانخراط الفعّال في المبادرات الدولية الخاصة باسترداد الأصول، بما فيها شبكات التعاون الإقليمي، لضمان تتبع الأموال المهرّبة ورفع السرية المصرفية عنها حيث أمكن، وأيضاً ربط ملف استرداد الأموال بملف “العدالة الانتقالية” الأوسع، بحيث تُعتبر الأموال المستردة جزءاً من مسار جبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا والمجتمع، لا مجرد عملية مالية معزولة عن سياق الانتهاكات الأوسع التي ارتكبها النظام السابق.
ويتساءل: هل ستنجح سوريا الجديدة في استرداد أموال شعبها دون التفريط بالعدالة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن اليقظة المجتمعية والضغط الشعبي هما الضمانة الوحيدة لعدم تحويل الملف إلى صفقة جديدة على حساب السوريين، فالدولة التي تسعى لإعادة بناء عقدها الاجتماعي لا يمكن أن تبدأ بتسوية الجرائم الكبرى عبر اتفاقات مالية مغلقة.
المسارات القانونية لاسترداد الأموال: ما بين القضاء والتسوية
يرى الخبير القانوني عماد الدين شهاب في تصريحات لـ”963+” أن الخيار ليس محصوراً بين “استعادة المال بصفقة” أو “لا مال ولا محاكمة”، فهناك مسارات قانونية واضحة نجحت في دول مرت بتجارب مماثلة.
ويقترح شهاب إنشاء محاكم وطنية متخصصة في قضايا الفساد الكبير للبت في الجانبين الجنائي والمدني، وفتح تحقيقات رسمية في الجرائم المالية المرتبطة بالمسؤولين الكبار، وإصدار أحكام تتضمن تجريم الأفعال ومصادرة الأموال والأصول داخل البلاد وخارجها بالتنسيق مع الجهات الدولية، مع ضمان المصادرة الجنائية استناداً إلى حكم قضائي نهائي.
ويشير شهاب إلى أن التسويات المالية ممكنة فقط تحت رقابة قضائية، بحيث تخفف العقوبة دون إسقاط التهم، مع الاعتراف بالذنب وتعويض شامل، حفاظاً على استمرار المسؤولية الجنائية.
ويختم بأن أي مقايضة بين المال والعدالة تُرسّخ الفساد وترسخ فكرة أن الجريمة مربحة والعقاب مرن، مؤكداً أن استرداد الأموال المنهوبة لا يكتمل إلا بالمحاسبة، فالأموال حق للشعب، والعدالة والمحاسبة يجب أن تسيران معاً لإرساء دولة القانون وتجنب دولة الصفقات.
إلى أين تذهب الأموال المستعادة؟
الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد أكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” إذا كان استرداد المال شرطاً أساسياً للعدالة، فإن طريقة إدارة هذا المال لا تقل أهمية عن استرداده نفسه، فالأموال المستعادة هي مال عام، ويجب أن تُدار بشفافية مطلقة، من خلال صندوق وطني خاص تحت إشراف قضائي وبرلماني مباشر، مخصص لتعويض الضحايا كأولوية أولى، خصوصاً عائلات الشهداء والمعتقلين السابقين والمفقودين، وتخصيص نسبة لدعم الخدمات العامة المنهارة (مستشفيات – مدارس – بنية تحتية)، وبرامج إعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً، مع نشر تقارير ربع سنوية مفصلة حول حجم الأموال الواردة والمصروفات يضمن معرفة المواطنين بحجم الأموال المستردة وأوجه صرفها، وهو ما يمنح هذه العملية شرعية اجتماعية، ويحّولها من مجرّد إجراء مالي إلى ركن من أركان العدالة الانتقالية.
ويختم مراد في ميزان العدالة، لا يمكن اختزال حقوق السوريين في أرقام تُضاف إلى حسابات الخزينة العامة أو صندوق خاص، مهما بلغت قيمتها، فالمال المنهوب ليس مجرد عجز في الموازنة أو فجوة في ميزان المدفوعات، بل تجسيد لعقود من الفساد والإفلات من العقاب وتهميش المجتمع عن مراقبة ثرواته وقرارات حكامه، من هنا، تبدو “استعادة الأموال” خطوة ضرورية، لكنها لا تكتمل إلا حين تقترن بـ “محاسبة قضائية جدية”، و”إدارة شفافة” لتلك الأموال لصالح عموم السوريين، والتزام صارم بمبدأ أن العدالة ليست صفقة، وأن الثروة المستردة ليست ملكاً للسلطة الجديدة، بل حقٌ للشعب لا يقبل المساومة.










