في زمن تهيمن فيه الشاشات وضغوط الإنتاجية، عاد كثيرون إلى ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات» كالحياكة والزراعة المنزلية وصنع الحلويات، بعدما أثبتت قدرتها على تخفيف التوتر والحد من الإرهاق الرقمي وتعزيز الشعور بالهدوء والتوازن النفسي، ما جعلها تحظى باهتمام متزايد من خبراء الصحة النفسية ورواد منصات التواصل على حد سواء.
في زاوية هادئة من منزلها في مدينة اللاذقية غربي سوريا، تقضي مادلين (28 عاماً) ساعات طويلة وهي تنسج خيوط القش بعناية لتصنع سلالاً وأعمالاً يدوية تحمل طابعاً تراثياً خاصاً. هواية لم تأتِ من فراغ بل ورثتها عن جدتها التي كانت تمارس هذه الحرفة منذ سنوات طويلة.
تروي مادلين لـ”963+” أن علاقتها بصناعة السلال بدأت خلال زياراتها المتكررة لبيت جدتها في طفولتها، حيث كانت تراقبها وهي تجمع القش وتجففه ثم تحوّله بمهارة إلى أدوات منزلية جميلة وعملية. آنذاك لم تدرك قيمة ما تراه، لكن تلك المشاهد بقيت راسخة في ذاكرتها.
ومع ازدياد الضغوط اليومية والانشغال المستمر بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، بدأت مادلين تبحث عن نشاط يمنحها بعض الهدوء. تقول: تذكرت الأيام التي كنت أجلس فيها إلى جانب جدتي، فقررت أن أجرب هذه الحرفة بنفسي في البداية كانت المحاولات بسيطة، لكنني مع الوقت تعلمت أساسياتها وأصبحت أستمتع بكل مرحلة من مراحل العمل.
وتؤكد أن صناعة السلال من القش أصبحت أكثر من مجرد هواية، إذ منحتها شعوراً بالإنجاز وساعدتها على تحسين تركيزها والتخفيف من التوتر. كما دفعتها إلى التعرف أكثر على الموروث الشعبي الذي كاد يختفي من حياة الأجيال الجديدة.
وترى مادلين أن العودة إلى هوايات الجدات ليست مجرد حنين إلى الماضي بل محاولة لاستعادة أنشطة تمنح الإنسان مساحة للتأمل والإبداع بعيداً عن ضجيج الحياة اليومية.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية واليدوية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم الصحة النفسية وتقليل مستويات القلق.
وأظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2025، تشمل 19 دراسة مختلفة، أن الأعمال اليدوية والأنشطة الإبداعية قد تساعد في تحسين الحالة النفسية وتقليل أعراض التوتر. وتكمن أهمية هوايات الجدّات في أنها تؤثر على الدماغ والجهاز العصبي بطرق متعددة
أما صبا خالد ذات “25” عاماً لم تكن تعلم أن ساعات طفولتها التي كانت تمضيها إلى جانب جدتها وهي تراقب أصابعها تتحرك بين الخيوط والإبر، ستتحول يوماً إلى هواية تمنحها الراحة والسكينة وسط ضغوط الحياة اليومية.
تقول صبا المقيمة في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا إن جدتها كانت تقضي جزءاً كبيراً من وقتها في الحياكة وصناعة القطع الصوفية لأفراد العائلة، وكانت تحرص على تعليمها أساسيات هذه المهنة اليدوية منذ الصغر. ورغم أن اهتمامها تراجع لفترة مع الدراسة والانشغال بالحياة، فإنها عادت إليها قبل سنوات بدافع الحنين إلى تلك الذكريات.
وتضيف لـ”963+”: “في البداية كنت أبحث عن وسيلة أقضي بها وقتي بعيداً عن الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، فتذكرت جدتي ونصائحها أخرجت بعض الخيوط والإبر وبدأت من جديد ومع كل قطعة أنجزها كنت أشعر براحة نفسية كبيرة”.
وتوضح صبا أن الحياكة لم تعد مجرد هواية بالنسبة لها، بل أصبحت مساحة خاصة تمنحها الهدوء والتركيز وتساعدها على التخلص من التوتر والقلق. كما أنها باتت تصنع هدايا يدوية لأصدقائها وأفراد عائلتها، ما يضفي على هذه القطع قيمة عاطفية خاصة.
وترى صبا أن عودة الشباب إلى بعض هوايات الجدات ليست أمراً عابراً، بل تعبير عن الحاجة إلى البساطة والابتعاد عن الإيقاع السريع للحياة الحديثة، مؤكدة أن المهارات التي كانت تمارسها الجدات بشكل يومي تحمل فوائد نفسية واجتماعية نكتشف أهميتها من جديد اليوم.
ويرى مختصون أن هناك عدة أسباب وراء هذا الانتشار، أبرزها الشعور بالتعب النفسي الناتج عن ثقافة الإنجاز السريع والمقارنة المستمرة على الإنترنت. لذا، فالكثير من الأشخاص أصبحوا يبحثون عن أنشطة تمنحهم شعورًا بالبطء والهدوء بعيدًا عن التنافس الرقمي فيما ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذا النوع من الأنشطة يعيد الإنسان إلى اللحظة الحالية، وهو ما يعرف باليقظة الذهنية (Mindfulness)، وهي مهارة نفسية تساعد على تقليل التفكير الزائد والقلق كما أن هوايات الجدّات توفر تجربة حسية حقيقية تعتمد على اللمس والرؤية والروائح، وهو ما يفتقده كثيرون في الحياة الرقمية الحديثة.










