برزت مشاركة قائد قوات سوريا الديموقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إلهام أحمد، في مؤتمر ميونيخ للأمن بدورته الثانية والستين، كإشارة لافتة على تحولات جوهرية في المشهد السوري. هذا الحضور لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل حمل دلالات سياسية عميقة، إذ اعتبره مراقبون بداية مرحلة جديدة للأكراد في سوريا، حيث يمكنهم الانخراط في العمل السياسي والمطالبة بحقوقهم ضمن إطار الدولة السورية، مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها، فيما تساءل آخرون عن الصفة التي شاركوا بها، معتبرين أن جلوسهم على طاولة واحدة يمثل موقفا سياسيا يحتاج إلى توضيح، خاصة في ظل أحداث دامية شهدها الميدان مؤخراً.
وجاءت هذه المشاركة في سياق سلسلة لقاءات ثنائية وجماعية جمعت دمشق وقوات سوريا الديموقراطية، إلى جانب لقاءات مع الفاعلين الدوليين، لتأكيد مسار التوافق السوري-السوري وكان أبرزها الاجتماع الثلاثي الذي جمع الوزير السوري أسعد الشيباني، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومظلوم عبدي، في مشهد يعكس بداية إعادة رسم التوازنات السياسية في المنطقة.
وخلال الاجتماع، تم استعراض تنفيذ اتفاق الاندماج بين قوات سوريا الديموقراطية والمؤسسات السورية، مع التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها كما تضمن الاتفاق خطوات تدريجية لدمج الكيانات العسكرية والإدارية التابعة لقسد ضمن مؤسسات الدولة، بما يعزز دور كل مكون من مكونات المجتمع السوري ويمنع أي إقصاء سياسي.
وأكد عبدي أن الاجتماعات كانت مثمرة للغاية، مشيداً بالدور الأميركي في تيسير الاتفاق ودعم مساره الدبلوماسي، معتبراً أن مشاركته جاءت بصفته ممثلاً عن الأكراد السوريين ضمن إطار الدولة السورية الوطني.
وتعكس التصريحات الصادرة عن ديبلوماسيين ومحللين سياسيين قراءات متعددة الأبعاد لمشاركة شخصيات سورية وكردية في مؤتمر ميونخ للأمن، حيث تتقاطع التفسيرات عند توصيف طبيعة المؤتمر ودلالات الحضور، لكنها تختلف في استنتاجاته السياسية والاستراتيجية. وفيما يلي عرض تفصيلي للتصريحات ضمن محاور موضوعية مع الالتزام الحرفي بالنصوص.
اقرأ أيضاً: اتفاق دمج الحسكة.. لماذا تراقب كوباني المشهد عن كثب؟ – 963+
طبيعة المؤتمر ودوره الفعلي
يرى الديبلوماسي المستقل عزت بغدادي في تصريحات لـ”963+” أن طبيعة المؤتمر تحدد مسبقاً سقف نتائجه، إذ يقول: “مؤتمر ميونخ للأمن لا يُعد إطاراً سياسياً للتسويات بقدر ما يشكل منصة غربية خالصة للنقاشات الأمنية الاستراتيجية، حيث تُدار الملفات الحساسة من زاوية ضبط المخاطر واحتواء التهديدات وتنظيم التدخلات، وليس من منظور إنتاج حلول سياسية نهائية”.
ويضيف في توصيف الخلفية الغربية للتعامل مع الملف السوري: “مشاركة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وقائد قوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تعكس مقاربة غربية ما تزال تنظر إلى سوريا ما بعد الأسد باعتبارها ملفاً أمنياً شديد التعقيد، لا مشروع دولة جاهزاً لإعادة التأسيس أو الاندماج الكامل في النظام الدولي، في ظل غياب الاستقرار المؤسسي والموارد الكافية والبيئة السياسية القابلة للاستثمار طويل الأمد”.
وفي تقييمه لمعنى الجمع بين شخصيات سياسية وعسكرية سورية وكردية، يقول بغدادي: “ترسخت منذ عام 2019 داخل دوائر القرار الغربية قناعة مفادها أن أي ترتيبات للمرحلة اللاحقة لا يمكن أن تقوم على هندسة سياسية شاملة، بل على احتواء الفاعلين الأكثر تأثيراً على الأرض ضمن معادلة أمنية قابلة للإدارة، بما يسمح بضبط مرحلة انتقالية مضطربة عبر تثبيت القوى الرئيسية داخل إطار واحد”.
ويتابع موضحاً دلالة اختيار ميونخ تحديداً: “اختيار ميونخ تحديداً يحمل دلالة واضحة، فالمؤتمر يتجنب إشكاليات الاعتراف القانوني والسيادي، ويركز بدلاً من ذلك على قضايا مكافحة الإرهاب، وتثبيت وقف إطلاق النار، ومنع الانزلاق نحو فراغ أمني جديد. ومن هنا، فإن جمع شخصية سياسية تمثل مساعي بناء الدولة إلى جانب شخصية عسكرية ذات ثقل ميداني ورمزية كردية، يبعث برسالة مفادها أن الاستقرار لن يتحقق عبر إقصاء أي من القطبين اللذين أفرزهما الواقع السوري”.
الرسائل الدولية من المشاركة
يؤكد بغدادي أن المشاركة حملت إشارات خارجية مزدوجة، قائلاً: “المشاركة حملت رسالة أميركية أوروبية مزدوجة: تطمين للأكراد بأن الشراكة الأمنية لم تُهمل، وفي الوقت نفسه تأكيد أن أي دعم مستقبلي سيجري ضمن ترتيبات منظمة تُبقي الأطراف داخل معادلة واحدة، لا ضمن مسارات متوازية متنافسة”.
ويشدد على حدود الاعتراف الدولي قائلاً: “ما جرى في ميونخ لا يرقى إلى مستوى الاعتراف السياسي أو الشرعية القانونية الجديدة، بل يعكس اعترافاً عملياً وظيفياً بالأطراف بوصفها فاعلين ضروريين لإدارة المرحلة الانتقالية دون إعادة تعريف مواقعهم القانونية دولياً”.
ويخلص إلى تقييمه العام: “المؤتمر لم يكن منصة للشرعنة السياسية، بل مساحة لضبط التوازنات الأمنية واختبار إمكانية إنتاج شريك أمني قابل للاندماج التدريجي. فإذا ما تكررت هذه المؤشرات وترافقت مع آليات متابعة تنفيذية، فقد يشير ذلك إلى انتقال تدريجي من إدارة الأزمة إلى تهيئة شريك سياسي ـ أمني. أما إذا بقيت ضمن الإطار البروتوكولي، فستظل جزءاً من سياسة احتواء منظمة لمرحلة شديدة الحساسية، حيث تُدار المرحلة أمنياً أولاً، فيما تبقى السياسة مؤجلة إلى إشعار آخر”.
اقرأ أيضاً: نقل “داعش” وإعادة ترتيب المخيمات.. مرحلة حاسمة في إدارة ملف معقد – 963+
تحول في موقع الأكراد
من جهته، يقدم الكاتب السياسي وخريج العلوم السياسية في جامعة فيينا آلان بيري قراءة تركز على البعد السياسي، إذ يقول لـ”963+”: “إن حضور الجنرال مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد في مؤتمر ميونخ للأمن، إلى جانب وزير الخارجية السوري، يعكس تحولاً مهماً في مسار التمثيل السياسي ـ العسكري للأكراد في سوريا، ويشير إلى أن هذا الظهور يدل على أن الكرد باتوا يحظون بشرعية دولية متزايدة بوصفهم جزءاً فاعلاً من مؤسسات الدولة السورية السياسية والإدارية والعسكرية، وليس كجناح منفصل عن سياق القضية السورية العامة”.
ويضيف: “أي تقارب كردي مع الأحزاب التقليدية يسير بالتوازي مع هذا المسار، رغم استمرار وجود ملفات عالقة بين دمشق والإدارة الذاتية، ويؤكد أن ذلك لا يلغي وجود تقدم ملموس في العملية السياسية”.
يتابع بيري تحليله لدلالات الحضور: “مشاركة مظلوم عبدي وإلهام أحمد حملت دلالتين؛ الأولى عسكرية مرتبطة بدور قوات سوريا الديموقراطية في قتال تنظيم داعش، والثانية سياسية تعكس ملامح السياسة الخارجية السورية الجديدة، ويلفت إلى أن هذا الحضور لا يرتبط بالتوافقات الكردية الداخلية، التي تُناقش ضمن أطر أخرى مثل مؤتمر الوحدة الكردي في القامشلي”.
ويضيف حول شرعية الإدارة الذاتية: “الإدارة الذاتية اكتسبت شرعية داخلية تدريجياً عبر الاتفاقات المتتالية مع السلطة المركزية، إلا أن العملية لم تكتمل بعد بسبب استمرار تحديات وملفات عالقة، من بينها قضية مهجّري سري كانيه وعفرين”.
ويختم: “القضية الكردية في سوريا اكتسبت بعداً دولياً منذ بداية الصراع، حيث وجد الأكراد حلفاء لهم على المستويين الإقليمي والدولي”.
أثر اللقاءات الدولية
بدوره يرى مدير مؤسسة كرد بلا حدود كادار بيري أن دلالات المشاركة تتجاوز التمثيل، قائلاً لـ”963+”: “حضور القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد في المنتدى الدولي الأخير، يتجاوز مسألة التمثيل العسكري أو السياسي، ويقوا إلى أن المشاركة جاءت ضمن وفد يعكس حضوراً كردياً أوسع في محفل دولي مهم”.
ويضيف: “النقاشات والاجتماعات الجانبية التي عُقدت على هامش المنتدى كانت ذات تأثير كبير، بحسب ما تناولته الصحافة الألمانية”، ويلفت إلى أن عدداً من قادة العالم طلبوا لقاء عبدي، الذي عقد بدوره سلسلة اجتماعات وصفها بـ”المثمرة والإيجابية”.
ويضيف أن هذه اللقاءات “تحمل رسائل واضحة لمختلف الأطراف، مفادها أن الأكراد، سياسياً وعسكرياً، سيكونون جزءاً من مستقبل سوريا وشكل الدولة السورية المقبلة”.
وفي ما يتعلق بمآلات التفاهمات، يقول: “المؤشرات توحي باتجاه صيغة حكم ذاتي محلي في مناطق الجزيرة السورية ومدينة كوباني خلال المرحلة الحالية، على أن تشمل لاحقاً مناطق رأس العين وتل أبيض وعفرين في مرحلة ثانية”.
ويختم بتصور هيكلي للدولة: “هذه الترتيبات لا تقتصر على منح شرعية محلية، بل قد تقود إلى نموذج دولة مركزية تعتمد لامركزية واسعة الصلاحيات في الأطراف، وهو ما قال إنه بدأ يتبلور عملياً في محافظة الحسكة وأجزاء من ريف حلب”.










