على تخوم التحولات العميقة التي تضرب بنية النظام الدولي، برزت مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصياغة ما يُعرف بـ”مجلس السلام العالمي” بوصفها مقاربة جديدة من واشنطن لإدارة النزاعات الدولية، سواء في قطاع غزة باعتباره نقطة ارتكاز محورية في جغرافيا الشرق الأوسط، أو في مناطق وأزمات أخرى يُراد إخضاعها للآلية ذاتها والرؤية الأميركية نفسها.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى أن هذه التطورات قد تقترب من إعادة تشكيل منظومة السلام العالمي خارج إطار الأمم المتحدة، وهو ما يدفع إلى النظر إلى “مجلس السلام” باعتباره مشروعاً يتجاوز حدود تقرير مصير غزة وحدها، ليطال ملامح النظام الدولي في مرحلته المقبلة.
غموض بلا مرجعية
إلى ذلك، على تخوم التحولات العميقة التي تضرب بنية النظام الدولي، برزت مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصياغة ما يُعرف بـ”مجلس السلام العالمي” طارق الشامي، الكاتب المتخصص في الشأن الأميركي، إن مجلس السلام العالمي اكتسب بالفعل زخماً جديداً عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيل المجلس، والذي ضم عدداً من رؤساء دول مختلفة، الأمر الذي قد يدفع باتجاه تنفيذ ما أقرّته خطة ترامب للسلامة المكوّنة من عشرين بنداً.
إلا أنه يشدّد في الوقت ذاته على أن حالة عدم اليقين ما زالت واضحة، نظراً لعدم حسم العديد من النقاط العالقة حتى الآن. ويوضح أنه، على سبيل المثال، لم تتضح بعد طبيعة قوة الاستقرار المزمع تشكيلها: ما حجمها؟ وما القيود التي ستواجهها؟ وما العقبات التي تنتظرها؟ لا سيما أن إسرائيل لا تزال تعترض حتى اللحظة على مشاركة قوات من دول مثل تركيا وباكستان.
كما يلفت الشامي في حديثه لـ”963+” إلى وجود غموض كبير فيما يتعلق بملف نزع سلاح حركة “حماس”؛ متسائلاً: هل سيكون نزعاً كاملاً للسلاح كما تطالب إسرائيل؟ أم سيكون على غرار تجربة نزع سلاح الجيش الجمهوري الإيرلندي، حيث جرى تخزين السلاح في مخازن محددة تخضع لإشراف جهة ما؟ وهل ستكون هذه الجهة إسرائيل، أم قوة السلام أو قوة الاستقرار، أم الشرطة الفلسطينية، أم أطرافاً ثالثة؟ وبيّن أنه حتى الآن لا يُعرف من سيشرف على هذه العملية، ولا الكيفية التي ستُنفَّذ بها.
ويشير الشامي إلى أن هناك حديثاً عن جدول زمني، وهو أمر إيجابي من حيث المبدأ، إذ تقول السلطات الأميركية إنها قد تُعلن خلال أيام قليلة جدولاً زمنياً لنزع السلاح وانسحاب إسرائيل.
لكن، بحسب رأيه، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى المصداقية في تنفيذ ذلك على أرض الواقع، خاصة أن إسرائيل، كما نرى، تواصل الغارات والقصف، وتستمر في قتل القيادات الفلسطينية سواء من “حماس” أو من غيرها. وأوضح أن ما يقارب 500 شخص قُتلوا منذ بدء تنفيذ هذه الخطة، متسائلًا: أي سلام هذا الذي يُقتل فيه الناس بالمئات؟
ويضيف أن الولايات المتحدة تبدو في موقف ملتبس ومشكوك فيه، مشيراً إلى انسحابات شهدناها مؤخراً لمراقبين أوروبيين شاركوا في المركز المدني ـ العسكري في جنوب إسرائيل، وهو ما يعكس عدم رضاهم عن آلية تنفيذ الخطة ومدى التزام إسرائيل بها.
كما يشير إلى طرح فكرة جديدة مؤخراً تقضي بعدم البدء في إعادة الإعمار إلا بعد تسليم سلاح “حماس”، وهو ما يتعارض تماماً مع ما كانت قد أعلنته الإدارة الأميركية سابقاً حول رغبتها في تقديم نموذج إيجابي لسكان غزة، يثبت جديتها في إعادة الإعمار وتوفير حياة كريمة من خلال خطة السلام.
ويبيّن أن تأجيل الإعمار يعني الانتظار ليس لأشهر، بل ربما لعام أو أكثر، إذ إن نزع السلاح بالكامل لن يتم بين عشية وضحاها، خصوصاً أن الشرطة الفلسطينية لم تدخل القطاع بعد، ولا يُعرف متى ستبدأ هذه العملية أو ما طبيعة جدولها الزمني.
وبناءً على ذلك، يرى الباحث في الشأن الأميركي أن هناك غموضاً كبيراً يلف العملية برمتها، معرباً عن أمله في أن تقدم الإدارة الأميركية شرحاً أكثر دقة وتفصيلاً للنقاط العالقة، وأن تحسم هذا الغموض بشكل واضح.
كما يشدد على ضرورة تحقيق توازن حقيقي يتمثل في إلزام إسرائيل بالانسحاب وفق الجدول الزمني المتفق عليه من الأراضي التي “تحتلها” شرق قطاع غزة، شرق الخط الأصفر، ووقف محاولاتها توسيع المساحة التي تسيطر عليها حالياً.
ويعرب كذلك عن أمله في نجاح عملية نزع سلاح “حماس”، مؤكداً أنه من دون ذلك لن تنجح الخطة، وسيُستخدم هذا الفشل ذريعة لإسرائيل للاستمرار في تنفيذ مخططاتها، وربما إعادة إشعال المنطقة بأكملها بحرب جديدة.
ويوضح أن إسرائيل، في الوضع الحالي، لا يبدو أن لديها ما تخسره، إذ لا يوجد رهائن ولا جثث بعد أن تسلمت آخر جثة، ما يمنحها القدرة على شن حرب واسعة تقتل فيها المزيد من الفلسطينيين، في ظل عجز واضح للمجتمع الدولي عن ممارسة أي ضغط فعلي.
ويختم طارق الشامي بالقول إن زمام الأمور بات مرهوناً بالرئيس دونالد ترامب، الذي يبدو بحسب وصفه، خاضعاً للضغوط الإسرائيلية التي تحرّك ملفات حساسة في واشنطن وتدفع الإدارة الأميركية إلى اتخاذ مزيد من الخطوات في الشرق الأوسط تخدم الأجندة الإسرائيلية.
ويخلص إلى أن مستقبل تنفيذ هذه الخطة يبقى مرهوناً بمدى جدية إدارة ترامب في تقديم نموذج حقيقي لصناعة السلام، لا الاكتفاء بخطاب سياسي لا ينعكس بأي نتائج ملموسة على أرض الواقع.
من جانبه، يذهب خبير الأمن الاستراتيجي عمر الرداد إلى القول إن التوصيف الأنسب لـ”مجلس السلام العالمي” الذي أعلن ترامب عن تشكيله، أنه يتسم بالغموض الوظيفي وتكتنفه شكوك عميقة في بنيته ودوره. فالمجلس، بحسب الرداد، لا يستند إلى ميثاق أممي واضح، ولا يتمتع بشرعية انتخابية أو تمثيلية، كما أنه يقوم على توافقات ظرفية لا على مؤسسات دائمة، وهو ما يلفت إلى أن هذا الغموض كان على الأرجح مقصوداً، لما يتيحه من هامش حركة واسع بعيدًا عن قيود حق الفيتو السائدة في مجلس الأمن الدولي.
ويشدد الرداد في حديثه لـ”963+” على أن هذا الإطار يمنح المجلس مساحات للتعامل مع غزة باعتبارها ملفاً “أمنياً وسياسياً واقتصادياً”، لا قضية تحرر وطني، الأمر الذي أدى إلى إعادة توصيف غزة كقضية إغاثة ومساعدات إنسانية وإعادة إعمار، بدلاً من كونها قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره.
ويضيف أن المجلس لا يؤسس لمطلب إقامة دولة فلسطينية، بل يفصل غزة عن الضفة الغربية والقدس، بما يحمل دلالات سياسية عميقة.
وبالتزامن مع ذلك، يلفت الخبير الأردني إلى أن المجلس يطرح تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات؛ إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت السلطة الناشئة في غزة انتقالية أم دائمة، وما هي حدود صلاحيات الإدارة المدنية فيها، فضلًا عن التساؤل حول استمرارية المجلس في حال حدوث تغيير سياسي في إسرائيل.
ويرى الرداد أن عدم ربط المجلس بمرجعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن ينسجم مع مقاربات الرئيس ترامب لإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث يعتبر أن المؤسسات الدولية القائمة قد شاخت، وأصبحت عاجزة، وتنتمي إلى موازين قوى لم تعد فاعلة كما كانت عند تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.
وربما، إضافة إلى ذلك، تعود أسباب التحفظ أو الرفض من بعض الدول الفاعلة، مثل الصين وروسيا وفرنسا، إلى مخاوف مرتبطة بتقويض أدوارها داخل النظام الدولي القائم.
وفي الخلاصة، يعتقد الرداد أن نجاح أو فشل مجلس السلام العالمي سيبقى مقياساً أساسياً بالنسبة للرئيس ترامب في تنفيذ خططه لإعادة تشكيل التحالفات الدولية بمرجعيات جديدة. ومع ذلك، يبقى عدم اليقين قائماً بشأن فرص نجاح المجلس، فيما يدعو إلى التوقف ملياً عند احتمالات انعكاس هذا النجاح إن تحقق على مناطق صراع دولية أخرى، وإمكانية تحوله إلى “نموذج قابل للنقل”، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
نظام بديل؟
بدوره، يقدّر الباحث الروسي ديمتري بريجع أن “مجلس السلام” الذي يسعى إليه ترامب يرتبط بمحاولات تأسيس منظمة بديلة عن الأمم المتحدة، وهي فكرة مطروحة منذ فترة.
ويرى أن مواقف كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة لا تتعارض فعليًا مع ميثاق الأمم المتحدة ولا مع المعاهدات الدولية، ما يعكس ظاهرة خطيرة من شأنها إحداث تغييرات عميقة في بنية السياسة الدولية.
ويبيّن الباحث الروسي أن ما عملت عليه الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، من ترسيخ لدور المؤسسات الدولية والقانون الدولي، بات اليوم فاقدًا لأهميته أو لدوره الحقيقي، وهو ما يمثل إشكالية كبرى، إذ لم يعد للقانون الدولي أي اعتبار فعلي.
وبذلك، يبيّن أن العلاقات الدولية تحوّلت من منظومة تحكمها المعاهدات والقانون الدولي، بما في ذلك ما يُعرف بقانون روما، إلى قوانين تضعها الدول القوية وفق مصالحها، أو إلى تفسيرات انتقائية للقانون الدولي تخدم دولة بعينها، وهو ما يُعدّ بدوره مشكلة بنيوية خطيرة.
ويستدلّ بريجع، الباحث الروسي، على ذلك بممارسات الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وما قامت به في فنزويلا، إضافة إلى التحولات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب في قطاع غزة، والسياسات التي تنتهجها إسرائيل، وما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويؤكد أن الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، وربط الأمن القومي الأميركي بالأمن الإسرائيلي، يُعدّ دليلاً واضحاً على هذه السياسات.
وانطلاقاً من ذلك، يتساءل: هل يمكن أن يشكّل هذا المجلس بدايةً لحل أزمة قطاع غزة؟ ويرى أن الإجابة تميل إلى النفي، إذ إن أي حل مطروح سيكون وفق الرؤية الأميركية، ولن يكون حلاً جذرياً، بل يخدم المشروع الأميركي في المنطقة، من دون الالتفات إلى مصير سكان غزة، أو تطلعات الشعب الفلسطيني، أو مواقف التيارات السياسية الفلسطينية.
كما يوضح أنه لا يوجد أي تطبيق فعلي لحل الدولتين، ولن يحدث ذلك لأسباب متعددة، أبرزها الرفض الإسرائيلي والدعم الأمريكي المستمر.
ويؤكد أن هذه السياسات مرشحة للاستمرار في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، ما يجعل حدوث تحول حقيقي أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في ظل عجز مجلس الأمن والأمم المتحدة عن إحداث تغيير في السياسة الدولية، أو دعم مبادرات سلام حقيقية، أو حتى القيام بدور فاعل في الوساطة لحل أزمات مثل الأزمة الأوكرانية، أو الحرب في غزة، أو الأوضاع في السودان وليبيا واليمن، فضلًا عن الأزمة السورية.










