بروكسل
حذّرت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة من خطورة أي فراغ أمني محتمل في شمال سوريا، معتبرةً أن مثل هذا السيناريو قد يوفّر فرصة لتنظيم “داعش” لإعادة تنشيط خلاياه واستعادة حضوره، وذلك على خلفية التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة في المنطقة.
وجاء هذا التحذير في ظل تصاعد المخاوف الدولية بشأن مستقبل الوضع الأمني في شمال وشرق سوريا، ولا سيما في المناطق التي تضم مخيمات وسجوناً تؤوي آلافاً من عناصر تنظيم “داعش” وعائلاتهم، ما يجعلها بؤراً حساسة قابلة للاختراق في حال تراجع مستوى السيطرة الأمنية، وفق ما أورده موقع “يورو نيوز”.
وقال الموقع إن ممثلين عن فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة عقدوا اجتماعاً مشتركاً يوم أمس الثلاثاء، خُصص لبحث مستقبل المشهد الأمني في شمال شرق سوريا، وذلك بالتزامن مع تمديد وقف إطلاق النار بين الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وسط تحذيرات من هشاشة ميدانية قد تفضي إلى تداعيات خطيرة.
وخلص المجتمعون إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ الصارم على الإجراءات الأمنية، خصوصاً في محيط مراكز احتجاز عناصر تنظيم “داعش”، مع التشديد على أهمية منع أي خلل أمني قد يفتح الباب أمام عمليات هروب أو إعادة تنظيم صفوف التنظيم المتشدد.
وبحسب بيان مشترك صدر عقب الاجتماع، شدد وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا، جان نويل بارو وإيفيت كوبر، إلى جانب نائبة وزير الخارجية الألماني سراب غولر، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، على أن مكافحة تنظيم “داعش” ما تزال تشكل أولوية مشتركة، وتتطلب استمرار التنسيق والعمل الجماعي في إطار التحالف الدولي.
وأشار البيان إلى وجود توافق بين الأطراف المشاركة على عقد اجتماع قريب للتحالف الدولي ضد “داعش”، بهدف تقييم التطورات الميدانية الأخيرة، وبحث اتخاذ خطوات إضافية تحول دون تدهور الوضع الأمني أو عودة التنظيم إلى الواجهة.
كما ناقش الاجتماع الأوروبي – الأميركي المسار السياسي في سوريا، حيث اعتبر المشاركون أن غياب تسوية سياسية مستقرة يسهم في تفاقم المخاطر الأمنية.
ودعا المجتمعون إلى ضرورة التوصل سريعاً إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإعادة فتح مسار المفاوضات، بما يسمح بدمج شمال شرق سوريا ضمن دولة سورية موحدة ذات سيادة، مع ضمان حقوق جميع المواطنين.
وأشار موقع “يورو نيوز” إلى أن هذه التحركات الديبلوماسية تأتي في ظل تصاعد القلق الدولي حيال مصير السجون والمخيمات الواقعة في شمال شرق سوريا، لا سيما بعد الهجوم الذي شنته القوات الحكومية على مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية.
وأكد “يورو نيوز” أن هذه المواقع تحتجز آلافاً من عناصر تنظيم “داعش” وأفراد عائلاتهم منذ عام 2019، ما يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة الجهات المشرفة عليها على الاستمرار في إدارتها وضمان عدم حدوث اختراقات أمنية أو حالات فرار جماعي.
وقبل أسبوع، حذّر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، من أن هروب عناصر من تنظيم “داعش” من سجون في شمال شرق سوريا، يشكّل تطوراً أمنياً بالغ الخطورة.
اقرأ أيضاً: العراق يستعد لمحاكمة معتقلي “داعش”.. ومصدران يكشفان عدد المنقولين
وأوضح المركز، أن هذا التطور جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة أعقبت التصعيد العسكري بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية ما أوجد فراغاً أمنياً استغلته الجماعات المسلحة.
وأشار، إلى أن عملية الهروب وقعت في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، وسط انحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز، إلى جانب تصاعد الخلافات بين “قسد” ودمشق حول آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون.
وأكد المركز أن هذا الواقع أفرز فراغاً أمنياً مؤقتاً سرعان ما تحوّل إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة، سواء عبر هجمات مباشرة على السجون أو نتيجة فوضى السيطرة الناجمة عن تبدل الجهات المسؤولة.
وبحسب المركز الأوروبي، فإن هروب عناصر متمرّسة قتالياً يمنح تنظيم “داعش” فرصة حقيقية لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيداً من خبرات ميدانية تراكمت خلال سنوات الصراع، كما يوفر الحدث مادة دعائية للتنظيم تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها تاريخياً لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة.
وذكّر التقرير بتجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013، وهجوم سجن الحسكة عام 2022، مؤكداً أن مثل هذه الأحداث غالباً ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وأكد المركز أن انعكاسات هروب سجناء “داعش” لا تقتصر على الداخل السوري، بل تمتد إلى الإقليم، حيث تزداد احتمالات تسلل عناصر فارّة إلى الأراضي العراقية عبر البادية السورية، ما يعزز التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية.
كما يسعى التنظيم، وفق التقرير، إلى استثمار الحدث دعائياً باعتباره دليلاً على استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه، ما قد يحفّز أنصاره على تنفيذ هجمات فردية أو عمليات محدودة النطاق في المنطقة.
وحذّر المركز الأوروبي من أن حادثة الهروب تحمل أبعاداً مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصاً أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعداداً من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون أو أشخاص على صلة مباشرة بدول الاتحاد.
وأوضح التقرير أن ذلك يعني ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية، أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة داخل المجتمعات الأوروبية.
وتعيد الحادثة، بحسب المركز، إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية، وهو نهج بات أقل قابلية للاستمرار في ظل هشاشة الوضع الأمني في سوريا، وما يرافقه من مخاطر قانونية وأخلاقية وسياسية تتعلق بمسؤولية الدول الأوروبية عن رعاياها.










