لم يأتِ توقيع مذكرتي التفاهم بين مصر وسوريا في قطاع الطاقة في سياق تقني بحت، بل شكّل خطوة ذات أبعاد سياسية واقتصادية، تعكس تحولات أعمق في مقاربة البلدين لملف الطاقة بوصفه أداة استقرار داخلي ورافعة لإعادة التموضع الإقليمي. فالحديث هنا لا يدور فقط حول توريد الغاز الطبيعي أو تأمين المنتجات البترولية، بل عن إعادة إدماج سوريا تدريجياً في منظومة الطاقة العربية، وتعزيز دور مصر كمحور لوجستي إقليمي فاعل في شرق المتوسط والمشرق العربي.
الطاقة كمدخل لإعادة تثبيت الدولة السورية
من منظور سوري، يُنظر إلى التعاون الطاقي مع القاهرة بوصفه استجابة عملية لأزمة طاقة خانقة أرهقت المجتمع والاقتصاد، لكنها في الوقت ذاته تمثل مدخلاً لإعادة إنتاج دور الدولة في إدارة الموارد الحيوية.
ويذهب الدكتور أحمد قنديل، رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تصريحات لـ”963+” إلى أن هذا التعاون لا يمكن اختزاله في كونه حلاً فنياً مؤقتاً، بل يشكل مدخلاً جيواستراتيجياً لإعادة إدماج الدولة السورية ضمن توازنات إقليمية جديدة.
ويرى قنديل أن سوريا عانت خلال السنوات الماضية مما وصفه بـ”فراغ الطاقة”، وهو فراغ سمح بظهور اقتصاديات ظل، وفتح المجال أمام فاعلين غير دوليين وقوى خارجية للتمدد داخل القطاعات الخدمية، ما انعكس هشاشةً أمنيةً واجتماعيةً متزايدة.
ووفق هذا الطرح، فإن إعادة توطين إدارة الطاقة ضمن إطار دولتي، من خلال منظومة إمدادات إقليمية تقودها بنية تحتية مصرية، من شأنه الحد من المخاطر البنيوية المرتبطة بانهيار الكهرباء والوقود، وإعادة ربط الخدمات الأساسية بمؤسسات الدولة.
ويعزز هذا التقدير ما يطرحه الأكاديمي والخبير الاقتصادي السوري عماد الدين مصبح، الذي يؤكد لـ”963+” أن الطاقة في الحالة السورية لم تعد مسألة رفاهية أو تحسين مستوى الخدمات فحسب، بل تحولت إلى أداة استقرار اقتصادي واجتماعي مباشر.
فانتظام الكهرباء والوقود، بحسب مصبح، ينعكس تلقائياً على خفض تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات، ويخفف الضغط الشعبي، ويمنح الدولة هامشاً أوسع لإدارة مرحلة إعادة البناء.
اقرأ أيضاً: الطاقة توقّع مذكرتي تفاهم مع مصر لتعزيز التعاون بمجالي النفط والغاز – 963+
ورغم هذه الأبعاد الاستراتيجية، يحذر مصبح من إغفال التحديات التقنية. فزيادة إنتاج الكهرباء لا تتوقف على توفر الغاز وحده، بل ترتبط بجاهزية المحطات والشبكات الداخلية.
ويوضح أن إضافة نحو ألف ميغاواط إلى الشبكة السورية وهي إضافة نوعية قادرة على إحداث فرق ملموس تتطلب ما بين 162 و231 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً، تبعاً لكفاءة المحطات، وهو نطاق واسع يعكس حجم التحديات الفنية القائمة.
ويشير مصبح إلى أن هذا الواقع يسلط الضوء على ضرورة أن تترافق الاتفاقيات مع برامج فعلية لتأهيل البنية التحتية، لأن مشكلة الطاقة في سوريا مركّبة، ولا يمكن حلها من خلال توريد الوقود فقط.
مصر كمحور إقليمي للطاقة
على الجانب المصري، يندرج التعاون مع دمشق ضمن رؤية استراتيجية أشمل تهدف إلى ترسيخ موقع مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة.
ويؤكد قنديل أن هذا التوجه يقوم على تداخل واضح بين الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية. فمن الناحية الاقتصادية، تتيح هذه السياسة تعظيم القيمة المضافة للبنية التحتية المصرية المتقدمة، من محطات التسييل وإعادة التغويز إلى شبكات نقل الغاز، وتحويلها من أصول وطنية جامدة إلى منصة إقليمية عابرة للحدود تدر عوائد من خدمات النقل والتخزين وإعادة التصدير، دون الانخراط في صيغ دعم مجاني أو التزامات توريد مرتفعة الكلفة.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فيرى قنديل أن تموضع القاهرة كمحور لوجستي للطاقة يمنحها أدوات موازنة فعالة في مواجهة قوى إقليمية تسعى إلى احتكار مسارات الطاقة أو توظيفها سياسياً. ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية في الملف السوري، حيث يُنظر إلى الحضور المصري بوصفه حضوراً عربياً منظماً وأقل استقطاباً، ويحظى بهامش قبول دولي أوسع مقارنة بأدوار إقليمية أخرى.
ويضاف إلى ذلك، وفق قنديل، البعد الأمني للطاقة، إذ تمتلك مصر خبرة مؤسسية متراكمة في تأمين البنى التحتية الحيوية ومسارات الإمداد، وهو عنصر حاسم في بيئة إقليمية تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار.
اقرأ أيضاً: مصر تدعو لتغليب مسارات التهدئة والحوار في سوريا – 963+
البعد التجاري والتكامل العربي
من زاوية اقتصادية بحتة، يرى الدكتور أسامة قاضي، المستشار الأول في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، في تصريحات لـ”963+” أن الاتفاقية تمثل فرصة حقيقية لتحسين حجم التبادل التجاري بين البلدين، الذي بقي عند مستويات متواضعة خلال السنوات الماضية.
ويوضح أن حجم التبادل في عام 2024 لم يتجاوز نحو 30 مليون دولار، ولم يصل في أفضل حالاته خلال الأعوام السابقة إلى 300 مليون دولار، وهو رقم لا يعكس عمق العلاقات التاريخية أو الإمكانات الاقتصادية المتاحة لدى الطرفين.
ويشير قاضي إلى أن ملف الطاقة، ولا سيما الغاز الطبيعي، يشكل محوراً استراتيجياً في هذه الاتفاقية، مستحضراً خط الغاز العربي الذي يربط مصر بالأردن فسوريا فلبنان، بسعة تصميمية تصل إلى نحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً، لكنه لم يُستثمر فعلياً سوى بجزء ضئيل جداً من هذه الطاقة.
ويرى أن تفعيل هذا الخط من شأنه تعزيز التكامل العربي في مجال الطاقة، وفتح آفاق تعاون أوسع، بما في ذلك تحقيق وفورات للبنان في حال نقل الغاز المصري عبر الأراضي السورية.
ويعتبر قاضي أن الاتفاقية تشكل سابقة تاريخية، كون سوريا أول دولة عربية تستورد الغاز من مصر، لافتاً إلى أن تعثر هذا المسار سابقاً كان مرتبطاً بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق. ومع تراجع هذه القيود وعودة سوريا التدريجية إلى محيطها الإقليمي والدولي، بات من الممكن إعادة تفعيل هذا الخيار الاستراتيجي، رغم ما يتطلبه من تفاهمات سورية–لبنانية حول ملفات عالقة، مثل الودائع والسجناء وضبط الحدود.
تعاون محسوب وحدود سياسية
ورغم الأبعاد الإيجابية، يتقاطع رأي عدد من المراقبين على توصيف العلاقة المصرية–السورية الحالية بوصفها تعاوناً محسوباً لا يرقى إلى مستوى التطبيع السياسي الكامل.
ويؤكد قنديل أن القاهرة تتعامل مع الملف السوري بمنطق براجماتي، يقوم على الفصل النسبي بين التعاون الفني في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الطاقة، وبين الموقف السياسي الأشمل المرتبط بالمسار الانتقالي وتعقيدات المشهد الأمني.
ويعزز هذا الطرح السفير المصري السابق لدى دمشق حازم خيرت، الذي يرى في تصريحات لـ”963+” أن الاتفاق الجاري يندرج في إطار التعاون الاقتصادي البحت، ويستند إلى مكانة مصر كمصدر إقليمي للطاقة وما تمتلكه من خبرات تحتاجها سوريا في هذه المرحلة.
ويشدد خيرت على أن هذا التعاون لا يعني بالضرورة حدوث انفراجة سياسية كاملة، إذ لا تزال هناك تحفظات سياسية وانتظار لترجمة الالتزامات المتعلقة بوحدة الأراضي السورية، وترسيخ السلم الأهلي، ومكافحة التطرف والإرهاب.
أفق مستقبلي مفتوح
ورغم هذا التحفظ، يتفق المراقبون على أن قطاع الطاقة يشكل مساحة اختبار منخفضة الكلفة سياسياً، تتيح تبادل المنافع وبناء قدر من الثقة، وقد تفتح مستقبلاً الباب أمام أدوار أوسع، سواء في إعادة الإعمار أو في إدماج سوريا بمسارات التحول الطاقي، من الطاقة المتجددة إلى الهيدروجين الأخضر.
وبهذا المعنى، لا تبدو مذكرتا التفاهم مجرد اتفاقين لتوريد الغاز والوقود، بل حلقة في مسار أوسع تحاول من خلاله القاهرة ودمشق استخدام الطاقة كأداة لإعادة التموضع، ومنع الانهيار الخدمي، وبناء توازنات أكثر استقراراً في إقليم لا تزال خرائطه السياسية والاقتصادية قيد التشكل.










