منذ آلاف السنين، تجمع حلب عدة مكونات اجتماعية من الشركس إلى الأرمن إلى الأكراد إلى العرب والكثير، ولم يعرف المجتمع الحلبي أياً من العبارات الطائفية حتى العام 2011 عند بداية الثورة السورية، وربما سوريا كلها كانت كذلك، فعمل النظام البائد على إحداث شرخ عميق في المجتمع السوري، بدنا نلمس نتائجه بعد 8 ديسمبر 2024.
ويعتبر معظم السوريون بشكل عام والحلبيون بشكل خاص أن العلاقة الشخصية بين الطوائف شيءٌ أساسي للعيش في حلب، فلا يمكن أن تكون حلبياً ولا تعرف أشخاصاً من طوائف وقوميات وأعراق مدينتك، ولهذا يمكن أن تجد مسيحياً يعمل مع مسلم في معمل ما، أو عربياً يشارك كردياً في مصنع ما أو العكس.
ويرى عمر قلعجي (66عاماً) في تصريحات لـ”963+” أنه منذ “ولدت في حي الأصيلة قرب القلعة، وذهبت مع والدي إلى سوق المدينة القديمة حيث نملك محلاً لبيع الجلد، كان جارنا في السوق كردياً من عفرين، وكان كل أهل السوق يجتمعون عنده للعب طاولة الزهر، ولم أرَ طيلة عملي مع والدي في المدينة أن هناك تفرقة أو تسمية بالعرق أو القوم، هذه حلب التي نعرفها والتي يجب أن تبقى كذلك”.
كلام قلعجي يعبر عن مئات الآلاف والملايين من السوريين، فقرار العيش المشترك هو جزء أساسي من تاريخ المدينة التي يعود إلى 12 ألف عام، ولا يمكن أن يتم خرق هذا القرار لأن طبيعة السوريين هي كذلك، لكن اليوم ومع تقدم وسائل التواصل الاجتماعي وتنامي الشرخ الكبير الذي زرعه النظام السابق وأطراف خارجية أخرى.
ويضيف: “بدأنا نرى الكثير من التحريض الطائفي وسب الآخر ونعت الآخر بقوميته أو مذهبه أو دينه”.
ويقول خبير التواصل الاجتماعي أسامة العلي لـ”963+” إن “الكثير من الحسابات التي تحرض على الطائفية المقيتة تدار من دول خارجية، أو مرتبطة بدول خارجية، خاصة مع انفتاح سوريا على التقنيات الحديثة والإنترنت الفضائي وغيرها من التقنيات التي تساعد على إخفاء مكان الحساب أو تمنع مراقبته، ورغم أن الحكومة الجديدة تعمل على نبذ هذا الخطاب وهذا بدا واضحاً في خطاب الرئيس أحمد الشرع والوزراء، لكن هناك من يدفع باتجاه تقسيم طائفي وعرقي”.
ومازال الطريق مفتوحاً أمام حماية السوريين من الطائفية المقيتة التي تم تصديرها باتجاه بلدنا، ولذلك يجب وضع قانون خاص بتجريم الخطاب الطائفي والعرقي، وبدل ذلك إعلاء قيم الوطنية السورية، والدعوى لتوحيد المواطنين على أساس وطني لا على أساس اثني وعرقي، وهو حال كل البلدان التي خرجت من الحروب الأهلية وتغيير الأنظمة، دون هذا القانون لن يتمكن السوريون من الصمود أمام كل هذا الضخ من الطائفية.
ويقول قلعجي لـ”963+” إن “صدور قانون كهذا، يمكن أن يكون طوق نجاة من هذا التحريض، ويعيد الألفة بين السوريين على أسس وطنية لا على أسس دينية وعرقية، وهو ما يساعد في بناء دولة تحمي الجميع، لكن بشرط أن يتم تطبيق هذا القانون على الجميع دون تمييز، من المواطن إلى أعلى سلطة في البلاد، يكون قانون يحمي المواطن من خطر التقسيم النفسي والاجتماعي”.
وعلى الرغم من التحديات التي شهدتها سوريا منذ 2011، لا تزال العديد من المناطق السورية تحافظ على تقاليد التعايش بين المكونات المختلفة.
ففي دمشق وحلب وحمص واللاذقية، تعايش العرب السنة مع الأكراد والمسيحيين والعلويين والدرزيين والشركس تاريخياً في الحياة اليومية، من الأسواق والمدارس إلى أماكن العمل والمناسبات الاجتماعية والدينية.
وهذا التعايش لم يكن مجرد تعايش سطحي، بل كان جزءاً من النسيج الاجتماعي الذي حافظ على استقرار المدن وموروثها الحضاري. حتى في السنوات الأخيرة، شهدت بعض المبادرات المحلية والمجتمعية في السويداء والحسكة ومناطق أخرى برامج للحوار والمصالحة بين أبناء المجتمع، لتعزيز الوحدة الوطنية ورفض الخطاب الطائفي، مؤكدين أن التنوع الديني والعرقي في سوريا ليس عائقاً، بل ثروة اجتماعية وثقافية يجب حمايتها وصيانتها.










