دمشق
كشفت لجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين في سوريا، اليوم الثلاثاء، عن عودة 150 طفلاً إلى عائلاتهم، بعد سنوات من الإيداع القسري في دور الرعاية خلال فترة حكم النظام المخلوع.
وأكدت اللجنة أن جوهر عملها يتمحور حول البحث والتقصي عن أطفال المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغيبات قسراً، الذين جرى إيداعهم في دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
وأوضحت أنها تمكنت، بعد عمليات تدقيق ومراجعة موسعة، من حصر 314 طفلاً تم إيداعهم في تلك الدور، مشيرة إلى التأكد من عودة 150 طفلاً منهم إلى ذويهم، فيما لا تزال تعمل على التحقق من وصول 50 طفلاً آخر إلى عائلاتهم، في حين تستمر إجراءات البحث والتقصي عن بقية الحالات، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وقالت رئيسة اللجنة رغداء زيدان إن نطاق عمل اللجنة لا يشمل جميع الأطفال المفقودين في سوريا، وإنما يقتصر على الحالات التي تثبت الوثائق الرسمية إيداعها في دور الرعاية التابعة للوزارة، مؤكدة أن هذا القيد يأتي التزاماً بالإطار القانوني والوثائقي المعتمد في عمل اللجنة.
وبيّنت زيدان أن اللجنة تشكّلت منذ ستة أشهر، وتضم في عضويتها ممثلين عن وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل، والداخلية، والعدل، والأوقاف، إلى جانب روابط أهالي الضحايا وعدد من منظمات المجتمع المدني، بما يضمن مقاربة تشاركية للملف من الجوانب القانونية والإنسانية والاجتماعية.
وأضافت أن اللجنة عملت وفق عدة مسارات متوازية، في مقدمتها جمع المعلومات من الوثائق والملفات المتوافرة في دور الرعاية، بما يشمل الصور والبيانات الخاصة بالأطفال، إضافة إلى إعداد استمارات توثيق خاصة لاستقبال المعلومات الواردة من ذوي الأطفال المفقودين، وتحليلها ومطابقتها مع السجلات الرسمية.
كما أشارت إلى تشكيل فريق تطوعي، يشكل أهالي الأطفال المفقودين نصف أعضائه، وتتمثل مهمته في متابعة سجلات الأطفال الذين أُعيدوا إلى أسرهم، والتحقق من أوضاع الأطفال الموجودين في دور الرعاية، إلى جانب جمع وتدقيق المعلومات المتعلقة بتلك الدور منذ عام 2011 وحتى نهاية عام 2024.
ولفتت زيدان إلى أن اللجنة أطلقت خطين ساخنين للتواصل مع الأهالي، بهدف تسهيل تقديم المعلومات، وتوفير الاستشارات والدعم القانوني للعائلات، إضافة إلى متابعة المسار القضائي لقضايا الأطفال الضحايا، وتقديم الإرشاد القانوني لذويهم.
وأوضحت أن اللجنة تتواصل كذلك مع الجهات الدولية المعنية بملف المفقودين، وتعمل محلياً على إنشاء صفحات تواصل اجتماعي مخصصة لذوي الأطفال المفقودين، فضلاً عن تقديم الدعم النفسي للأهالي وذوي المعتقلين والمغيبين قسراً.
من جانبه، أكد ممثل وزارة الداخلية في اللجنة سامر قربي أن دور اللجنة يقتصر على تقديم الدعم القانوني للأهالي، دون أي تدخل في عمل القضاء، مشدداً على أن الشق القضائي يبقى من صلاحيات القضاء حصراً.
اقرأ أيضاً: أمهات وزوجات المفقودين في سوريا.. وجع بلا نهاية
وبيّن قربي أن اللجنة استمعت إلى شكاوى العائلات، وجمعت المعلومات التي بحوزتها، وقدمت الاستشارات القانونية والتوجيه اللازم، وصولاً إلى إحالة القضايا إلى القضاء المختص.
وذكر أن هذا الدعم يشمل توكيل محامين، وتقديم الاستشارات، ومتابعة الإجراءات القانونية بما يخفف الأعباء المادية والمعنوية عن العائلات، معتبراً أن هذا الجانب لا يقل أهمية عن الدعم النفسي والاجتماعي المقدم للأهالي.
وأشار إلى أن اللجنة تعمل أيضاً على معالجة ملف السجلات والوثائق، مبيناً أن الملفات المتوافرة معقدة وتحتاج إلى تدقيق معمق، الأمر الذي استدعى تشكيل فرق مختصة بفرز المعلومات وأرشفتها تمهيداً لتحليلها باستخدام وسائل تقنية حديثة، إضافة إلى تشكيل فرق ميدانية لمتابعة أوضاع الأطفال الذين جرى حصرهم، والبالغ عددهم 314 طفلاً، إلى جانب حالات أخرى.
ولفت قربي إلى أن ملف عقود إلحاق أبناء المعتقلين بدور الرعاية يُعد من أكثر الملفات حساسية، موضحاً أن عدد هذه الحالات يقارب 620 حالة تعود إلى نحو عشر سنوات، ما يتطلب جهداً إضافياً في البحث والتقصي لكشف مصير هؤلاء الأطفال.
وفي السياق ذاته، قال المدير الوطني لجمعية قرى الأطفال “SOS” فاتح العباسي إن الجمعية شكّلت لجنة داخلية لتحري وتدقيق الوثائق المتوافرة في الأرشيف، وتمكنت من حصر 140 حالة تم إيداعهم قسراً لدى الجمعية في سوريا، مشيراً إلى تتبع 106 حالات منها حتى الآن، مع استمرار عمليات التقصي والتحقق من بقية البيانات.
وأكد العباسي التزام جمعية “SOS” الكامل تجاه المجتمع السوري والأطفال وذويهم، موضحاً أن عمليات التقصي والتتبع وتحليل البيانات تتم بدرجة عالية من الجدية والسرعة والشفافية، وأن جميع الوثائق والتحديثات يتم مشاركتها بشكل دوري مع لجنة التحقيق.
وأشار إلى أن السنوات الماضية خلّفت معاناة واسعة شملت مختلف فئات المجتمع، وكان من بين نتائجها إيداع أطفال قسراً في دور الرعاية دون موافقة ذويهم، مؤكداً أن الجمعية تلتزم بالقوانين الناظمة وتتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه هذه الحالات، وتعمل على ضمان سلامة الأطفال وإعادتهم إلى أسرهم.
بدوره، أكد مدير الهيئة العامة لمجمع بيوت لحن الحياة معتصم السلومي أن النظام لم يترك بيانات دقيقة أو منظمة حول أسماء أطفال المعتقلين والمغيبين قسرياً، إذ كان يتم إدخال الأطفال إلى دور الرعاية على أنهم مجهولو الهوية، ومنحهم أسماء وهمية، ما يستدعي متابعة دقيقة ومعمقة لمعالجة هذا الملف.
وأوضح السلومي أن الهيئة أحصت نحو 700 عقد إلحاق منذ عام 2011 وحتى نهاية عام 2024، مبيناً أن عمليات تسليم الأطفال للعائلات في السابق كانت تتم دون أي مطابقة أو معايرة صحيحة.
وأضاف أن الهيئة تواصلت مع العائلات التي استلمت أطفالاً في فترات سابقة، حيث استجابت أربع عائلات فقط من أصل مئة، بينما امتنعت بقية العائلات عن الرد، ما دفع إلى إحالة هذه الحالات للجنة المختصة لمتابعة أوضاع أبناء المعتقلين.
وشدد السلومي على ضرورة اتخاذ إجراءات قضائية حازمة، مؤكداً أن غالبية المسؤولين عن دور الرعاية خلال فترة النظام كانوا على علم بهذه الحالات، وأن العديد منهم متورطون في هذا الملف، سواء عبر التستر أو منع أي استفسار من قبل الأهالي، لافتاً إلى أن الوثائق وشهادات الشهود تدعم هذه الوقائع.










