في سوريا، ما زال الغياب يطارد آلاف البيوت، وما زالت أمهات وزوجات يترقبن منذ سنوات طويلة خبراً يبدد ظلمة الانتظار. كل يوم يمرّ عليهن بين الأمل والخوف، بين الرجاء المعلق بعودة الأحبة والوجع الذي لا يرحم. ليست المسألة فقدان شخص واحد، بل انهيار حياة بكاملها؛ فغياب الأبناء والأزواج حرم العائلات من السكينة والأمان، تاركاً جرحاً مفتوحاً لا يلتئم.
ووفقاً لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كان الاختفاء القسري سلاحاً ممنهجاً بيد نظام بشار الأسد منذ عام 2011، أداة للترهيب والعقاب الجماعي. ومع سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، خرجت بعض الحقائق إلى العلن، لكن المفاجأة كانت أن عشرات الآلاف ظلّوا مجهولي المصير.
وتشير قاعدة بيانات الشبكة إلى أن عدد المختفين قسرياً لا يقل عن 177,057 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، وهي أرقام لا تُختصر في جداول وإحصاءات بقدر ما تختزل آلاف القصص التي تحولت إلى ذاكرة دامية لكل بيت سوري.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية بين التهميش والبحث عن الاعتراف – 963+
ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أن أكثر من 85,000 شخص تم اختفاؤهم قسراً منذ بداية الثورة السورية في عام 2011 وحتى الآن. وتشمل الأرقام المعتقلين والمخفيين قسراً على يد مختلف الأطراف، مع استمرار التعتيم على مصير العديد منهم، مما يضاعف من معاناة العائلات ويبرز الحاجة الملحة لتحقيق العدالة والكشف عن مصير المختفين.
صوت الأمهات.. “كأن الغياب قدري”
رعيدة إبراهيم عرنوس من ريف إدلب تحمل في قلبها وجعاً لا ينتهي منذ عام 2012، حين اعتُقل ابنها مصطفى شعبان عرنوس، وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
تحكي لـ”963+” بملامح مثقلة: “كان مصطفى شاباً بسيطاً، يعمل كل يوم ليؤمن قوت أسرته، لم ينخرط في السياسة ولا حمل السلاح يوماً. اعتقلوه فقط لأن أشقاءه كانوا معارضين للنظام، فكان هو الضحية رغم براءته”.
وتتابع وهي تكتم دموعها: “اعتقلوه على أحد الحواجز العسكرية، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره كلياً. بحثنا عنه في كل مكان، طرقنا أبواب السجون، دفعنا مبالغ مالية طائلة لعلنا نصل إلى أثر له، لكن كل الطرق أُغلقت. لا اسم في السجلات، ولا خبر يؤكد مصيره. سنوات طويلة وأنا أذوب على غيابه، ومع ذلك لم أفقد الأمل أن أراه من جديد”.
حين سقط النظام، ازداد الأمل في قلبها: “كنت أترقب فتح السجون لحظة بلحظة، كنت أتصور أنني سأراه يعود ماشياً نحوي، لكن المفاجأة كانت أقسى من الاحتمال… لا أثر لمصطفى. كأن الغياب قُدر أن يلازمني إلى اليوم”.
الزوجات.. بيت بلا سند وأطفال بلا معيل
المأساة لا تقف عند الأمهات فقط، بل تعيشها الزوجات في شكل آخر. وردة خابور اليوسف، زوجة المفقود جمعة إبراهيم اليوسف، تحمل في شهادتها صورة لآلاف النساء السوريات اللواتي يتحولن مع غياب الشريك إلى أعمدة بيوت مهزوزة.
تقول وردة لـ”963+”: “كان جمعة رجلاً بسيطاً، يخرج كل يوم ليعمل ويؤمن لقمة العيش لنا ولأطفالنا. في عام 2012، وأثناء محاولته عبور الحدود السورية–اللبنانية للعمل، اعتُقل. ومنذ ذلك الحين لم يصلنا منه أي خبر. لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً. هذا الغموض هو أصعب ما أعيشه، يقال إنه توفي، لكن لم نرَ جثته، ولا نعرف سبب هذا القول. ومع مرور السنوات، توفيت والدته، وبقيتُ أنا وحدي أحمل ثقل الانتظار”.
وتكمل بصوت متعب: “عشت أنا وأطفالي سنوات من الألم والحرمان. ظللت أبحث عنه بعد الإفراج عن المعتقلين، لكن كل محاولة تسقط في فراغ. أحياناً تصلني صور مجهولة ويقولون: هذا زوجك؟ فأقول: لا. كل غياب يحوّل حياتنا إلى سؤال بلا إجابة. أطفالي كبروا على غيابه، وأنا كبرت على الانتظار”.
اقرأ أيضاً: إنجازات نسائية في المهجر تغير الصورة النمطية – 963+
أرقام صادمة بلا أجوبة
وراء هذه الحكايات، تظل الأرقام أشبه بكابوس، إذ يضع جكر حسين، منسق لجنة تقصي الحقائق للمفقودين والمعتقلين، القضية في إطارها الحقوقي والقانوني ويقول لـ”963+”: “للأسف، الأعداد كبيرة جداً. تقديراتنا تشير إلى أكثر من 200 ألف مفقود، وربما تصل إلى 300 ألف مختفٍ قسرياً. الأرقام مخيفة، وغياب السجلات الرسمية يجعل من المستحيل حصرها بدقة”.
ويضيف بنبرة حازمة: “الأصعب أن لا جثامين تُعاد إلى ذويها، والمقابر الجماعية لا تزال مطمورة بالأرض. ما لم تُفتح السجلات ويُكشف عن أماكن الدفن، فإن الألم سيبقى مضاعفاً، ليس فقط للفقد بل أيضاً لغياب الحقيقة”.
ويشدد حسين على ضرورة تحرك الحكومة الانتقالية سريعاً: “نحتاج إلى هيئة وطنية خاصة بالمفقودين، تكشف الحقيقة، تحمي الشهود، وتسن قوانين تمنع الإخفاء القسري. المجتمع الدولي بدوره يجب أن يقدم الخبرات والتقنيات للكشف عن المقابر الجماعية وربط قواعد البيانات بين الأهالي والمنظمات. فقط بهذه الطريقة يمكن أن نعيد الثقة ونبدأ العدالة”.
بين الألم والعدالة المؤجلة
وتتشابك قصص رعيدة ووردة مع آلاف القصص المماثلة، لتكشف أن القضية أكبر من كونها ملفاً حقوقياً، إنها مسألة وجودية لمجتمع كامل. كل أم تنظر إلى صورة ابنها، وكل زوجة تترقب صوت خطوات على الباب، تُجسد جرحاً وطنياً مفتوحاً، يحتاج إلى عدالة حقيقية كي يلتئم.
في سوريا اليوم، تتوزع المأساة بين أرقام ثقيلة ووجوه منهكة، بين وجع ممتد وأمل لا يريد أن يموت. لكن حتى اللحظة، يبقى السؤال معلّقاً: متى يتحول هذا الغياب الطويل إلى حقيقة واضحة، ومتى تجد الأمهات والزوجات جواباً ينهي انتظارهن الموجع؟










