على الرغم من مرور أكثر من عقد على صعود تنظيم “داعش” وسقوط ما عُرف بـ”الخلافة”، فإن التنظيم لم يغادر المشهد السوري، بل عاد ليشغل موقعاً مختلفاً، أقل صخباً لكنه أكثر تعقيداً. ففي نهاية عام 2025، تبدو المواجهة مع التنظيم وقد دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي هو انتقال “داعش” من السيطرة المكانية إلى العمل الشبكي، ومن المعارك المفتوحة إلى الضربات الخاطفة، مستفيداً من الجغرافيا المفتوحة، والتداخل الأمني، والتحولات السياسية التي تمر بها سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
خلال الأشهر الأخيرة، شهدت مناطق البادية ووسط سوريا، ولا سيما محيط تدمر، تصاعداً ملحوظاً في الهجمات والكمائن التي نفذها التنظيم، وأسفرت إحداها عن مقتل جنود أميركيين وسوريين. هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة إلى إطلاق حملة جوية موسّعة تحت اسم عملية “عين الصقر”، استهدفت عشرات المواقع التابعة للتنظيم. بالتوازي، كثّفت القوات السورية والأجهزة الأمنية عملياتها داخل المدن، في محاولة لمنع تمدد الخلايا النائمة إلى المراكز السكانية.
غير أن هذه العمليات الأمنية والعسكرية تجري في سياق أوسع وأكثر تعقيداً، حيث تحاول الإدارة السورية الجديدة إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد الفصائل المسلحة، وإعادة صياغة علاقتها مع التحالف الدولي ودول الإقليم. وفي هذا السياق، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل تكفي الضربات الأمنية لاحتواء التنظيم، أم أن المعركة باتت مرتبطة بمسار أعمق يتصل ببناء الدولة والاستقرار السياسي؟
المقاربة الأمنية وحدود الفعالية
في قراءة لطبيعة المواجهة، يقول الدكتور رامي الخليفة العلي، الكاتب الصحفي والباحث في الفلسفة السياسية في جامعة باريس، في حديثه لـ”963+”، إن “المعالجة الأمنية وحدها لملف تنظيم داعش لن تكون كافية للقضاء عليه، إذ لا يمكن أن تقتصر المواجهة على البعد الأمني فقط، بل يجب أن تكون هناك مقاربة شاملة تعمل على أكثر من مستوى”.
ويضيف أن “تنظيم داعش استفاد بشكل كبير من غياب الدولة، ومن حالة الضعف والانهيار التي سيطرت على المنطقة بعد انهيار الدولة العراقية نتيجة الغزو، إضافةً إلى عوامل أخرى متعددة”، مشيراً إلى أن “وجود دولة قوية، ووجود دولة عادلة، إلى جانب حالة من الاستقرار السياسي، كلها عوامل أساسية ولا غنى عنها للقضاء بشكل كامل على الفكر المتطرف، ومنه بطبيعة الحال تنظيم داعش”.
في السياق نفسه، يضع مصطفى أمين عامر، الباحث المصري والمتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب والمقيم في القاهرة، التعاون الإقليمي في صلب المعركة، قائلاً إن “القضاء على تنظيم داعش، وعلى العناصر المتطرفة داخل سوريا، لا يمكن أن يتم دون تعاون إقليمي حقيقي”.
ويضيف لـ”963+” أن “هذا التعاون أمر لا بد منه خلال الفترة القادمة، خاصةً في ملف المقاتلين الأجانب، الذي يتطلب تنسيقاً واسعاً مع دول الإقليم”.
العمليات العسكرية الأميركية: استمرارية أكثر منها تحوّل
على مستوى التدخل الأميركي، يرى العلي أن ما يجري اليوم لا يمثل قطيعة مع الماضي، إذ يقول إن “طريقة التعاطي مع تنظيم داعش لم تكن غائبة في السابق، إذ كانت هناك على الدوام غارات جوية، وفي بعض الأحيان عمليات ميدانية يتم خلالها اعتقال عدد من المطلوبين المنتمين إلى الجماعات الراديكالية، وكانت هذه العمليات تُنفذ في الغالب من قبل الولايات المتحدة الأميركية”.
ويضيف أن “العمليات الأميركية الأخيرة ضد تنظيم داعش لا تمثل تغييراً جذرياً في طبيعة المواجهة، بل هي استمرار للنهج نفسه”.
في المقابل، يقدّم مصطفى أمين عامر قراءة تفصيلية للآليات الأميركية، قائلاً إن “الولايات المتحدة لم تغيّر من سياسة الغارات الجوية، إذ لا تزال هذه الغارات جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية، حيث لا تعتمد واشنطن على التواجد البري المباشر إلا في عمليات إنزال محدودة، كما حدث في مقتل البغدادي وخلفائه”.
ويضيف أن “التصعيد الأخير، الذي شمل عشرات الغارات، جاء في إطار الرد على مقتل جنود أميركيين”، مشيراً إلى أن “الأرقام المعلنة تخدم بالأساس الرأي العام الأميركي، بينما تبقى تفاصيل المواقع والخسائر غير واضحة حتى الآن”.
التحولات السياسية: من العزلة إلى الشراكة
في موازاة المسار العسكري، يبرز المسار السياسي بوصفه عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل المعركة. ويقول الدكتور رامي الخليفة العلي إن “التغيير اللافت يكمن على المستوى السياسي، ويتمثل في التعاون مع دمشق”.
ويوضح أن “هذا الأمر لم يكن ممكناً أو قابلاً للتطبيق في ظل وجود النظام السابق، بينما أصبح اليوم ممكناً بسبب البراغماتية التي ينتهجها السيد أحمد الشرع في إدارة المرحلة الحالية”.
ويضيف أن “التطورات السياسية الأخيرة أثرت بشكل كبير في المشهد السوري، ولولا هذه التطورات لما عادت سوريا إلى موقعها الإقليمي والدولي”.
كما يشير إلى أن “قرار الانضمام إلى التحالف الدولي لمقاومة تنظيم داعش يأتي في إطار إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي وإلى محيطها العربي، والعمل على بناء سوريا بالتعاون مع مختلف الأطراف، ولا سيما دول الخليج”.
توحيد الفصائل: اختبار داخلي صعب
على الصعيد الداخلي، يربط العلي بين نجاح المواجهة ومسار بناء المؤسسات، قائلاً إن “سوريا بدأت تخطو خطوات جدية للانتقال من حالة الفصائلية إلى مشروع بناء الدولة”.
ويشرح أن “الدولة تسعى إلى تغيير ديناميكيات الصراع بين الفصائل، والعمل على احتوائها والقضاء عليها عبر توحيد الفصائل ضمن جيش سوري موحد، وقوات أمنية موحدة”.
ويضيف أن “خلال الفترة الماضية كانت هناك خطوات جيدة من قبل الإدارة الجديدة تمضي في هذا الاتجاه”.
ويرى أن “هذا المسار سيغيّر كثيراً من طبيعة وديناميكيات التعاون بين سوريا والأطراف الأخرى، وكذلك من حجم الحضور السوري في مواجهة تنظيم داعش وفي مواجهة الفكر المتطرف”.
الأدوار الإقليمية: تعاون ناقص وتناقض مصالح
في المقابل، يقدّم مصطفى أمين عامر قراءة نقدية للدور الإقليمي، قائلاً إن “دور تركيا في هذا الصراع ليس دورًا موضوعيًا، بل هو دور منحاز وله أهداف محددة”.
ويضيف أن “تركيا لا تنظر إلى الصراع من زاوية مكافحة الإرهاب بقدر ما تسعى إلى القضاء على قوة وطنية داخل الساحة السورية، وهي القوى الكردية”.
ويشير إلى أن “تركيا تمتلك نفوذاً واسعاً داخل الجيش السوري من خلال فصائل مثل الحمزات وغيرها”. وفي الوقت نفسه، يلفت إلى أن “دور كل من العراق والأردن يُعد دوراً مهماً ومحوريا”، موضحاً أن “العراق يمتلك تجربة مباشرة في مواجهة داعش، بينما يمثل الأردن عنصراً استراتيجياً ولوجستياً بالغ الأهمية، ولا سيما في مناطق الجنوب”.
وفي قراءة لسلوك التنظيم، يقول عامر إن “التطورات السياسية خلقت نوعًا من الإصرار والتصميم لدى تنظيم داعش على توسيع عملياته داخل الداخل السوري”.
ويضيف أن “انضمام الإدارة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي شكّل حافزًا إضافيًا للتنظيم لتوسيع عملياته”.
ويتابع أن “التنظيم يسير على خطين متوازيين: خط التعاون الاستخباراتي واستهداف خلاياه، وخط توسّعه في عملياته واستراتيجياته”.
وفي ختام قراءته، يقول عامر إن “تنظيم داعش يعيد تموضعه وينشر خلاياه في معظم الجغرافيا السورية”. محذراً من “قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات مستقبلية، واستقطاب ذئاب منفردة حتى من داخل المؤسسات الأمنية”.
ويضيف أن “البنية الأمنية الهشة لا تزال قابلة للاختراق والتطرف، ما يجعل المواجهة المقبلة أكثر تعقيدًا وخطورة”.










