بعد سنوات ثقيلة من الحرب والحصار، تعود الشجرة لتكون عنواناً للأمل في منطقة الزبداني وريفها، عبر حملة “ريفنا أخضر”، التي أُطلقت مؤخراً بهدف إعادة إحياء الغطاء النباتي، وترميم ما خسرته الأرض من خضرتها خلال واحدة من أقسى المراحل التي مرت بها المنطقة.
الزبداني، المعروفة تاريخياً بسهلها الأخضر وجبالها الحرجية ومناخها المعتدل، كانت من أكثر مناطق ريف دمشق تضرراً على الصعيد البيئي، إذ فقدت ثلاثة أرباع غطائها النباتي خلال سنوات الحصار، نتيجة العمليات العسكرية وعمليات القطع الجائر للأشجار، ما انعكس سلباً على الزراعة، والمناخ المحلي، والاستقرار البيئي والمعيشي للسكان.
حملة “ريفنا أخضر”، التي أطلقتها وزارة الزراعة السورية في محافظة ريف دمشق، تهدف إلى زراعة ما يقارب نصف مليون غرسة في مرحلتها الحالية، على أن يصل العدد الإجمالي المستهدف إلى نحو مليون غرسة، ضمن خطة تمتد على 45 يوماً، وتشمل مختلف مناطق المحافظة، من مداخل المدن والبلدات، إلى الشوارع العامة، وصولاً إلى إشراك الأهالي في مشاريع زراعية مستدامة.
وجرى إطلاق الحملة رسمياً في 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، من مدخل دمشق الشمالي في مدينة حرستا – الغوطة الشرقية، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين وفعاليات شعبية ومنظمات أهلية، في خطوة وُصفت بأنها استكمال لمسار تشجير بدأ منذ سنوات في محافظات أخرى.
اقرأ أيضاً: صابون حلب.. هوية عمرها ألف عام – 963+
الزبداني… من سهل أخضر إلى أرض متعبة
ويوضح وضاح حمدان، معاون مدير منطقة الزبداني وضواحيها في حديثه لـ”963+”، أن انطلاق حملة “ريفنا أخضر” جاء نتيجة رؤية مباشرة من محافظ ريف دمشق، بعد عدة زيارات ميدانية إلى الزبداني ومحيطها، والاطلاع على حجم التدهور الذي أصاب الواقع الزراعي والبيئي في المنطقة.
ويشير حمدان إلى أن الزبداني تعرضت خلال السنوات الماضية لحملة عسكرية عنيفة، تضمنت قطعاً واسعاً للأشجار في سهل الزبداني والجبل الغربي، ما أدى إلى خسارة مساحات كبيرة من الغطاء النباتي، وجعل من إعادة التشجير أولوية ملحّة لا يمكن تأجيلها.
وبيّن معاون مدير المنطقة أن مدينتي الزبداني ومضايا حظيتا بالأولوية ضمن حملة “ريفنا أخضر”، نظراً لخصوبة التربة وتوفر مصادر المياه، ما يجعل من إعادة التشجير فيهما خطوة ذات أثر بيئي واقتصادي واضح.
ويوضح أن أنواع الغراس التي يتم اعتمادها تشمل أشجاراً حراجية وأخرى مثمرة، ويتم اختيارها بما يتناسب مع مناخ المنطقة وطبيعة أراضيها، لضمان نجاحها واستمراريتها على المدى الطويل.
ويضيف أن العمل جرى بالتنسيق الكامل مع بلديات المنطقة، حيث تم تحديد احتياجات كل بلدية من الأشجار الحراجية أو المثمرة، وفق طبيعة كل موقع واستخدامه، سواء كان حراجياً أو زراعياً أو تجميلياً.
ويؤكد حمدان أن المستفيدين من الحملة هم أبناء المنطقة عموماً، مع تركيز خاص على الفلاحين، الذين يحصلون على أشجار مثمرة تسهم في تحسين دخلهم، وتساعد في إعادة تحريك العجلة الزراعية التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.
اقرأ أيضاً: قلعة حلب.. تاج معماري يحرس ذاكرة الشرق – 963+
أرقام تكشف حجم الكارثة البيئية
من جهته، يوضح عبد الرحمن غبيس، مدير حملة “ريفنا أخضر”، أن محافظة ريف دمشق تحتاج سنوياً إلى نحو مليوني غرسة للحفاظ على توازنها البيئي، في حين أن الفجوة الحالية تصل إلى نحو مليون ونصف غرسة، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالغطاء النباتي.
ويشير غبيس إلى أن ما لا يقل عن 3.2 مليون شجرة دُمرت خلال السنوات الماضية، بفعل العمليات العسكرية والتغيرات المناخية، ما أدى إلى تراجع المساحات الخضراء، وتصحر بعض الأراضي، وخلق حاجة ملحّة لإعادة التوازن البيئي.
وفي بلدة مضايا، تبرز عقبة إضافية لا تقل خطورة عن الجفاف أو التصحر، تتمثل في انتشار الألغام ومخلفات الحرب في محيط البلدة، ما يشكل تحدياً كبيراً أمام تنفيذ عمليات التشجير.
وبحسب القائمين على الحملة، فإن صعوبة غرس الأشجار في مناطق غير مؤمنة بنسبة 100% تفرض قيوداً صارمة، حفاظاً على سلامة الشبان والأهالي المشاركين في الحملة، خاصة في الأراضي القريبة من المواقع العسكرية السابقة.
ويشير مسؤولون محليون إلى أن فرق الدفاع المدني تحاول تقديم المساعدة قدر الإمكان، من خلال مسح بعض المناطق وتوعية الأهالي، إلا أن حجم الألغام ومخلفات الحرب كبير جداً، ويتطلب وقتاً وجهوداً مضاعفة قبل التمكن من استثمار تلك الأراضي بشكل آمن.










