في قلب المدينة القديمة، خلف أسوار حلب العتيقة، تخرج رائحة الزيت والعرق الحرفي من بين حجارة المعامل القديمة، لتعلن أن صناعة صابون الغار أو ما يُعرف عالمياً بـ”صابون حلب” ما زالت حيّة، نابضة، ومتشبثة بتاريخ يتجاوز ألف سنة.
لم يكن هذا الصابون مجرد منتج منزلي عبر العصور، بل أصبح رمزاً لحلب ووجهاً ثقافياً واقتصادياً يعكس مهارة أهلها وارتباطهم بالأرض والزيتون وشجر الغار.
اقرأ أيضاً: قلعة حلب.. تاج معماري يحرس ذاكرة الشرق – 963+
عراقة تمتد من العصور الوسطى
تُشير معظم المصادر التاريخية إلى أن حلب هي أول مدينة في العالم أنتجت الصابون المعتمد على زيت الغار، وأن مهنة صناعة الصابون فيها ترسخت منذ القرن التاسع الميلادي. ومع مرور الزمن، أصبحت المدينة مركزاً تجارياً رئيسياً لهذا المنتج، حيث كان يُرسل إلى أنحاء الشرق الأدنى والأندلس وأوروبا عبر القوافل، ثم عبر المرافئ القريبة، وتناقلت عائلات حلبية عريقة هذه الحرفة جيلاً بعد جيل، فبات لكل عائلة “ماركتها” الخاصة التي تُعرف من لون الصابون ورائحته وختمه المميز.
ويقول الحرفي في صناعة الصابون محمد عتر لـ 963+، إن “رحلة التصنيع مليئة بالتفاصيل الحلبية الخالصة والتي تتكون من زيت الغار الحلبي وهو السرّ الذي لا يُنافس، حيث يأتي من جبال ريف حلب الشمالي الشرقي المادة الخام الأساسية ويتم استخراجه بعد جمع ثمار الغار في الخريف، ثم غليها وعصرها واستخلاص زيتها الأخضر الدكان”.
ويضيف “عتر”، أنه بعد ذلك تأتي عملية المزج والغلي في “الدَّوامات” حيث” يُخلط زيت الغار بزيت الزيتون والماء والقلوي الطبيعي داخل قدور حجرية كبيرة تُعرف بـ”الدوامات” ويستمر الغلي من 12 إلى 24 ساعة تحت إشراف “المعلّم”، وهو حرفي خبير يستطيع تمييز درجة النضج من لون السطح ورائحة المزيج”، وبعد اكتمال الغلي، يُسكب الخليط على أرضية حجرية ملساء داخل المعمل ويقوم العمال بتمديد العجينة على شكل طبقة متجانسة بسماكة موحدة، مستخدمين أدوات خشبية تقليدية وحين يبدأ الخليط بالتماسك، يُقطّع يدوياً إلى مكعبات متساوية غالباً كل منها يحمل ختم المعمل أو العائلة المنتجة، ويعتبر الختم علامة ضمان تُميّز جودة المنتج.
اقرأ أيضاً: أسواق حلب القديمة تربط الماضي بالحاضر – 963+
اقتصاد مدينة.. وصناعة لها جذور اجتماعية
قبل عام 2011، كان في حلب أكثر من 100 معمل لصناعة الصابون، يشغلون آلاف العمال، ويصدرون المنتج إلى أوروبا والخليج وشرق آسيا وحتى اليوم، ما زالت هذه الصناعة تُعدّ مورداً اقتصادياً مهماً، وتمنح العمل لعشرات العائلات التي تمارسها منذ قرون، أما اجتماعياً، فيقول الباحث في التاريخ سالم العلي لـ “963+”، إن “صابون حلب ليس مجرد منتج تنظيف؛ فهو جزء من ذاكرة الأهالي حيث كان يُهدى للعروس ضمن عرسها، ويُرسل للأقارب في الشتاء، وتفوح رائحته في البيوت القديمة كجزء من طقوس النظافة والترتيب”.
أما طبياً فتقول الصيدلانية لارا غنيم في حديثها لـ “963+”، إنه “بفضل طبيعة صابون الغار الحلبي الخالية من المواد الكيميائية، وفوائده للبشرة الحساسة، انتشر صابون حلب في أوروبا منذ القرن التاسع عشر وتعتبره اليوم العديد من الشركات العالمية نموذجاً للصابون الطبيعي كما أصبح حاضراً في محلات العطور العضوية والمنتجات الطبيعية حول العالم، وغالباً ما يُعرّف بـAleppo Soap”.
واليوم وسابقاً من يزور مدينة حلب يحرص على المرور بأحد معامل الصابون القديمة، حيث يستطيع مشاهدة مراحل الغلي والتقطيع والتجفيف، في مشهدٍ يمزج بين الصناعة والأثر الإنساني وتشكل أبراج الصابون المتكدسة في غرف التجفيف عناصر لافتة وعدسات المصوّرين، حتى أصبحت رمزاً جمالياً للمدينة. ولم تستطع الحروب، ولا تغيّر الزمن، ولا المنافسة التجارية إطفاء وهج صابون حلب. فهو ليس مجرد قطعة صابون تُستخدم للنظافة؛ إنه ذاكرة مدينة، وتاريخ عائلات، وتراث مهني استثنائي، ورائحة ثابتة بقيت رغم كل التحولات.










