لم يكن قرار إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين” حدثاً معزولاً عن السياق السوري العام، ولا يمكن قراءته بوصفه تحوّلاً نهائياً في الموقف الأميركي، بقدر ما يعكس مرحلة إعادة ضبط للأدوات والسياسات في التعامل مع دولة خرجت لتوّها من حقبة صراع طويل وانهيار مؤسساتي عميق. فالخطوة، بما تحمله من رمزية سياسية وثقل اقتصادي، تضع سوريا عند عتبة جديدة، لا تخلو من الفرص كما لا تخلو من المخاطر، وتعيد طرح سؤال الدولة، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل كمنظومة حكم وقدرة فعلية على إدارة المجتمع والموارد والاختلافات.
إلغاء القانون، الذي شكّل لسنوات إحدى أكثر أدوات الضغط الاقتصادي قسوة، لا يعني نهاية منطق المشروطية، بل انتقاله من العقاب الجماعي إلى آلية اختبار دقيقة، تُقاس فيها أفعال السلطة لا خطابها. فالولايات المتحدة، عبر إدراج القرار ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي (NDAA) بقيمة تقارب 900 مليار دولار، أعادت التأكيد على أن الملف السوري ما يزال حاضراً ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وأن أي انفتاح اقتصادي أو سياسي سيبقى مرتبطاً بمعايير واضحة تتصل بالأمن والاستقرار وحقوق الإنسان.
وبموجب الآلية الجديدة، باتت دمشق خاضعة لمسار رقابي يمتد لأربع سنوات، تُقدَّم خلاله تقارير دورية كل ستة أشهر إلى الكونغرس، تتناول أداء الحكومة السورية في ملفات شديدة الحساسية، من بينها مكافحة تنظيم “داعش” والمقاتلين الأجانب، وضبط تجارة المخدرات، وحماية الأقليات، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات التي وقعت بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024. وفي حال الإخفاق في دورتين متتاليتين من التقييم، يملك الرئيس الأميركي صلاحية إعادة فرض عقوبات موجّهة تطال الأفراد والكيانات، دون العودة إلى العقوبات القطاعية الشاملة.
اقرأ أيضاً: ما بعد قيصر: فرصة تاريخية للاقتصاد أم اختبار صعب للإصلاح؟ – 963+
تعليق مشروط
في هذا الإطار، يرى طارق حمو، الباحث في المركز الكردي للدراسات، في تصريحات لـ”963+” أن توصيف ما جرى على أنه “رفع للعقوبات” ينطوي على قدر من التبسيط. فبحسب قراءته، القرار أقرب إلى تعليق مشروط ومؤقت، يعكس حالة عدم ثقة أميركية كاملة بقدرة السلطة الانتقالية على إحداث قطيعة حقيقية مع ممارسات الماضي.
ويشير حمو إلى أن الكونغرس تعمّد الإبقاء على أدوات الضغط جاهزة، عبر آلية تقويم صارمة، تمنع تحول الإلغاء إلى تفويض مفتوح.
ويذهب حمو أبعد من ذلك، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الالتزامات الخارجية بقدر ما يكمن في الأداء الداخلي. فبرأيه، لم تنجح السلطة حتى الآن في تقديم نموذج مقنع في ملفات العدالة والمساءلة، إذ بقيت التحقيقات في الانتهاكات الأخيرة دون نتائج ملموسة، ولم تُقدَّم شخصيات نافذة إلى القضاء، سواء من المنفذين أو من أصحاب القرار.
ويحذّر من أن الاستمرار في هذا النهج، القائم على إدارة الوقت بدل مواجهة الاستحقاقات، قد يؤدي إلى تآكل الثقة الدولية، ويعيد فتح باب الضغوط بصيغ أكثر تعقيداً.
النافذة الأوسع
وفي مقابل هذا التقييم النقدي، ينظر وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات، إلى القرار من زاوية الفرص الاقتصادية والسياسية التي يفتحها.
فبحسب علوان، يشكّل إلغاء العقوبات القطاعية “النافذة الأوسع” أمام سوريا للخروج من حالة الشلل الاقتصادي، لا سيما بعد سنوات من العزلة وانكماش الاستثمار. ويؤكد أن التخلي عن فكرة إعادة العقوبات تلقائيًا كان عنصراً حاسماً، لأن أي تهديد دائم بعودة العقوبات كان سيجعل المستثمرين في حالة تردد دائم.
ويرى علوان أن قصر العقوبات المحتملة على الأفراد، دون المساس بحركة الاستيراد والتصدير أو بالقطاعات الاقتصادية، يخلق مناخاً أكثر استقراراً للنشاط الاقتصادي، ويمنح القطاع الخاص المحلي والخارجي هامشًا أوسع للمبادرة.
كما يعتبر أن الرقابة الأميركية، رغم طابعها السياسي، يمكن أن تؤدي دوراً إيجابياً في دفع السلطة نحو تحسين أدائها، لا سيما في ما يتصل ببناء السلام المجتمعي وضبط السلاح وتعزيز سيادة القانون.
غير أن هذا المسار، وفق درويش خليفة، يبقى محفوفاً بالتعقيدات. إذ يقدّر خليفة في حديثه لـ”963+” أن الإجراءات البديلة لقانون قيصر صُممت لتكون أداة ضغط مرنة، قابلة للتعديل تبعًا للتطورات السياسية والأمنية، مع الحفاظ على الهدف المركزي المتمثل في دعم مسار الانتقال السياسي، دون التفريط بالمصالح الأمريكية والإقليمية.
ويشير إلى أن هذه الآلية ستبقى قيد المراجعة، خصوصاً بعد كانون الأول/ديسمبر 2025، مع اقتراب نهاية المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري السوري.
اقرأ أيضاً: “قانون قيصر” بين متغيرات وتعقيدات الداخل السوري – 963+
غياب الوفاق الوطني
وعلى المستوى الداخلي، يلفت خليفة إلى أن التحدي الأبرز لا يزال يتمثل في غياب الوفاق الوطني، واتساع الفجوة بين المكونات الاجتماعية، لا سيما حين تتقاطع الأزمات الأمنية مع البعد الطائفي.
ورغم الإشارات السياسية التي تحاول السلطة تقديمها، مثل لقاء الرئيس أحمد الشرع مع وجهاء من الطائفة العلوية، يرى خليفة أن هذه الخطوات تبقى رمزية ما لم تُستكمل بحلول عملية لملفات عالقة، وفي مقدمتها ملف السويداء، الذي ما يزال خارج إطار التسوية الشاملة.
كما يشدد خليفة على أن إعادة تموضع سوريا ضمن الفضاء السياسي الأميركي والغربي تتطلب معالجة ملف الفصائل المسلحة التي أصبحت جزءاً من الجيش السوري الجديد. فترسيخ قناعة داخل هذه البنى بأن الولايات المتحدة ليست عدواً لسوريا الجديدة، يُعد شرطاً أساسياً لضمان استقرار المسار الانتقالي واستمرار الدعم الدولي.
من جانبه، يقدّم براء عثمان قراءة بنيوية أوسع للتحول في صيغة “قيصر”، معتبراً أن المجتمع الدولي بات أكثر وعياً بمحدودية العقوبات الشاملة، التي أثبتت قدرتها على إفقار المجتمعات دون تغيير سلوك الأنظمة.
ويرى عثمان في تصريحات لـ”963+” أن الانتقال إلى منطق الرقابة المشروطة والمحددة زمنياً يتيح اختباراً أكثر واقعية لسلوك السلطات الجديدة، دون خنق فرص التعافي المبكر.
ويؤكد عثمان أن نجاح هذا النهج يبقى مرهوناً بقدرة السلطة على الانتقال من إدارة التوازنات الهشة إلى بناء مؤسسات دولة محايدة وفعالة، تضمن استقلال القضاء، وتكافؤ الحقوق، وسرعة الفصل في النزاعات، ومنع الإفلات من العقاب. فالمواطنة، بحسب رؤيته، ليست خطاباً سياسياً، بل ممارسة يومية تُقاس بمدى شعور الأفراد بالحماية والإنصاف أمام القانون.
وعلى الرغم من الإرث الثقيل الذي خلّفته سنوات الاستبداد والصراع، يرى عثمان أن المرحلة الانتقالية تفتح فرصة تاريخية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري، على أساس الحقوق والواجبات لا الولاءات والانتماءات. وفي هذا السياق، تتحول آلية “قيصر” بصيغتها الجديدة من أداة ضغط أحادية إلى إطار تفاعل سياسي مشروط، يُدرج سوريا ضمن دائرة الفعل والتأثير المتبادل مع الولايات المتحدة.
في المحصلة، تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإلغاء “قانون قيصر” لا يمثّل نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً، تُقاس فيها شرعية السلطة بقدرتها على تحقيق الأمن الداخلي، وترسيخ مبدأ المواطنة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف، وتحفيز إعادة الإعمار، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، بما يضع البلاد على مسار الدولة المستقرة، أو يعيد إنتاج دائرة الشروط والعقوبات بأدوات جديدة.










