انتهى عهد آل الأسد إلى غير رجعة، ويقف السوريون في سوريا الجديدة اليوم عند مفترق طريقين حاسمين: دولة الماضي بما فيها من انتهاكات وجرائم، ودولة المستقبل المنشودة. على هذا المفترق، على السوريين ألّا ينظروا بعدُ إلى الوراء، إلا لاستخلاص العبر، وعليهم، بجميع مشاربهم السياسية والدينية والقومية والعرقية، أن ينظروا إلى مستقبل آمن ومستدام لسوريا كلها.
إلا أن هذه النظرة المستقبلية لا تصل خواتيمها السعيدة إلا بمرور البلاد في معمودية المحاسبة. إن التطلع إلى العدالة والمصالحة لا ريب فيه، وكذلك مخاوف جميع السوريين من الانزلاق مجدداً إلى دوّامة الانتقام والعنف. فيوم الحساب السوري هو اليوم الأول في عمر دولة ما بعد القتل، لذا تبقى معالجة ملف “العدالة الانتقالية” الأشد إلحاحاً اليوم، في السياسية كما في القانون.
يشدد الدكتور سمير التقي، الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، على فكرة أن الأمل السوري بالغد معلق على قضية العدالة الانتقالية “التي لم تتحول بعدُ إلى مشروع وطني فعلي”، كما يقول في حوار مع “963+”، بل يضيف محذراً باللهجة الشديدة من ترك هذا الملف لـ “منطق الحق في الدم والانتقام المتبادل”، فذلك يهدّد بإعادة البلاد إلى صراع داخلي مفتوح. وبرأيه، لا مصالحة وطنية من دون اعتراف رسمي بالمجازر ومحاسبة من أمر ومن نفذ، سواء من رموز النظام السابق أو من الفصائل التي ما زالت موجودة، وإلا يبقى تجاهل إحقاق العدالة الانتقالية “جمرة تحت الرماد تنذر بانفجارٍ مؤجّل شبيه بما حدث في العراق”.
وفي هذا الحوار المطول، يتصدر التقي لتحديات بنيوية وقانونية وسياسية تعيق مسار المحاسبة، في مقدمها غياب بنية قضائية مستقلة راسخة لا تخضع لهيمنة الصيغة الشرعية “الأوامرية”، وتغليب الخطاب العقائدي على مفهوم الولاء الوطني.
هنا نص الحوار:
كيف ترى ملف العدالة الانتقالية في سوريا بعد عام على سقوط النظام المخلوع؟
للأسف، يمكنني القول إن العدالة الانتقالية في سوريا “معلّقة” منذ لحظة انتصار الثورة وسقوط النظام. كان ثمة محاولات جدية، بذلتها جهات قضائية دولية رفيعة المستوى، أرادت المساعدة في التأسيس لتجربة “عدالة انتقالية سورية” تُصمِّمها السيادة الوطنية السورية… إلا أن هذا الطرح لم يلقَ قبولاً. وبعد المجازر الجديدة في الساحل وجبل العرب، يستمر غياب أي صيغة واضحة للعدالة الانتقالية، وهذا يُبقي الجراح مفتوحة، ويمنع تحقيق مصالحة وطنية حقيقية. والأسوأ هو ترك معالجة ملف شائك لما يسمى بـ”الحق في الدم”، أي لمنطق الانتقام والانتقام المضاد، وهذا مسارٌ خطر يُعيد سوريا إلى أتون الصراع الداخلي. كما أثبتت تجارب العالم أن منطق الغلبة والقوة ساذجٌ، وتجاهل تحقيق العدالة الانتقالية يعرّض المجتمع نفسه لمخاطر التصدع الجسيم.
برأيك، ما الذي يعيق تحقيق العدالة الانتقالية؟
ثمة غياب واضح لبنية قانونية ومؤسساتية تاريخية راسخة. صحيح أنه تم إحياء محكمة النقض جزئياً، لكن من يهيمن اليوم على القضاء شخصيات شرعية “أوامرية”، لا تستند لقانون مدني ولا جنائي، إنما هو قضاء الأمر فيه لخريجي كلية الشريعة في إدلب، يمارسون القضاء بعيداً عن التقاليد القضائية السورية. صحيح أن هذه التقاليد قد طالها الفساد، إلا أن هذا الفساد مثّل في الأصل أداة قمع تستخدمها السلطة البائدة لقمع القاضي النزيه. وأداء خريجي الشريعة اليوم دوراً أساسياً في العمل القضائي يغيّر مسار العملية القضائية برمتها، ليس في قضايا حقوق الناس وحدها، إنما في حياد القضاء وأدواته وأسلوب المرافعات فيه. فهذا الحياد هو ما يضمن حق المتهم بالبراءة حتى تثبت إدانته. وهذا ينعكس بقوة على مبادئ العدالة الانتقالية تحديداً، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة القضاء الحالي على الاضطلاع بهذا الدور التاريخي؟
ما التحديات التي تواجه المشهد السياسي في سوريا خلال الوقت الراهن؟
أولاً، لا بد من الاعتراف بأن خلاص سوريا من النظام البائد انتصار عظيم لشعبها. لكنه خلّف دولة ممزقة: لا جيش، انهيار إداري وقضائي واسع. مع الأسف، لم تنجح الحكومة الانتقالية حتى الآن في دمج ما تبقى من البيروقراطية السورية ضمن مشروع وطني جامع. وذريعة الفساد الجماعي تنفيها تجارب كل الشعوب التي تخرج من الحروب الداخلية. ورغم أن سوريا دخلت اليوم في تحالف دولي مختلف تماماً عن السياق السابق الذي استخدم البلاد ساحة صراع بالوكالة، فإن المهمة الأساسية للحكومة الانتقالية كان يجب أن تكون واضحة منذ اللحظة الأولى، وهي تحقيق العدالة الانتقالية، فضلاً عن تحقيق السلم الأهلي على أساس تفاوضي، من دون العودة إلى منطق الاقتتال الداخلي.
ماذا عن المقاتلين الأجانب في ملف العدالة الانتقالية؟
ثمة عناصر داخل التشكيلات العسكرية السورية الحالية، بينهم ضباط وأفراد أجانب دخلوا البلاد بخلفيات جهادية ولم يغيّروا أجنداتهم العقائدية، يرون في التعصب الطائفي أداة لتعزيز الولاء لقياداتهم، وهذا يناقض تماماً مفهوم الدولة الوطنية. وإذا نظرنا إلى المناهج العسكرية والخطابات الدينية التي تُلقى داخل بعض وحدات الجيش، سنجد أنها تقوم على تعبئة أيديولوجية لا تسمح بالمصالحة الوطنية، ولا تكرّس الولاء للوطن كقيمة عليا فوق الانتماءات العقائدية أو الطائفية.
برأيي، القضية هنا لا تتعلق بانقسامٍ مذهبي سني ـ شيعي؛ ففي سوريا تاريخياً أغلبية سنية منفتحة ومتحضّرة لا تتفق مع الطروح الجهادية المتطرفة، إنما تتعلق بخيارات فكرية متطرفة تحاول الهيمنة على مفاصل الدولة.
هل يمكن اعتبار محاكمة المتورطين في أحداث الساحل خطوة متمّمة للبيئة التشريعية المطلوبة؟
وفق تقييم أوساط واسعة، بما في ذلك جهات دولية، فإن الآليات القضائية التي استُخدمت في ملف الساحل لم تكن كافية ولا ترقى إلى مستوى القضاء المنشود، حتى بمعاييره الانتقالية. فهي لم تركز على الاعتراف بالمسؤولية بقدر ما اتجهت إلى إجراءات شكلية. إلى ذلك، لم تعترف السلطات رسمياً بمجازر الساحل وجبل العرب، رغم أن منفذي الجرائم كانوا منظّمين ومسلّحين ضمن عمليات واضحة، ما يجعل الحكومة مسؤولة عن أفعالهم، أو على الأقل ملزمة بضبطهم ومحاسبتهم.
في الحقيقة، لم تطل المحاكمات قضايا جوهرية، مثل وجود المقاتلين الأجانب واستمرار الفصائل المسلحة، وغياب بناء جيش وطني مستقل، خصوصاً في ظل اعتماد قطاعات عسكرية على تدريب وإدارة خارجيين.
كيف يمكن أن تتجه العدالة الانتقالية في المسار الصحيح؟
هناك أمر مهمٌ لا بد من أن يشمل مسار العدالة الانتقالية مجرمي النظام البائد. لا يمكن التمييز بين جريمة وأخرى. يجب أن يخضع جميع من أساء للمجتمع السوري لمحاكمات عادلة وشفافة. العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، إنما تبدأ بالاعتراف، ثم المحاسبة القانونية للقتلة ومن أصدروا الأوامر وأشرفوا على الجرائم، سواء كانوا من قوى الماضي أو من قوى الحاضر. هذا هو الطريق الوحيد لبناء دولة حقيقية توفر الطمأنينة وتفتح المجال للاستثمار والاستقرار. التجاهل يؤدي إلى تفجير الأزمات المؤجلة، كما حدث في العراق، حيث بقيت الأوضاع مضبوطة طالما كانت القوات الأميركية موجودة، ثم انفجرت موجة عنف طاحنة بعد انسحابها، وما زالت آثارها الاجتماعية قائمة حتى اليوم رغم التطورات السياسية. إن الاعتقاد بأن الأمور “تحت السيطرة” قراءة ناقصة للتاريخ، وفهم سطحي لجذور الصراع.
مقارنة بالتجارب العالمية، أي نموذج اليوم يمكن أن يحقق السلم الأهلي في سوريا؟
يعيش الشعب السوري حالة ترقّب يومي للأحداث، وهذه مشكلة أساسية، فالمخاوف الاقتصادية والسياسية المتصلة ببنية الدولة وانتشار الفساد والرشاوى كبيرة، وهذه مسألة تفرض إعادة النظر في نموذج الدولة والإعلان الدستوري الحالي.
استناداً إلى تحليل 36 حرباً أهلية في أنحاء العالم بعد الحرب الكونية الثانية، ما تحقق سلمٌ أهلي في أي دولة اعتمدت النظام الرئاسي، بينما أتاح النظام البرلماني أو نظام اللامركزية الإدارية بصيغ مختلفة شروطاً أساسية وفاعلة للتعافي.
لا أقول هنا إن على سوريا الاتجاه ناحية الفدرالية، فهذه مسألة يقررها السوريون أنفسهم من خلال عملية تفاوضية سلمية، توافق تطلعاتهم الوطنية.










