شهد العراق خلال الأيام الأخيرة عاصفة سياسية وإعلامية واسعة بعد ظهور قرار في الجريدة الرسمية يقضي بإدراج “حزب الله” اللبناني وجماعة “أنصار الله” الحوثيين على لائحة الكيانات الإرهابية وتجميد أصولها داخل البلاد.
وبدا القرار للوهلة الأولى خطوة محسوبة في سياق التزامات العراق الدولية، تحوّل سريعاً إلى أزمة داخلية بعد تراجع الحكومة عنه خلال أقل من 24 ساعة وتأكيدها أنّ النشر تمّ “عن طريق الخطأ”، مع الإعلان عن فتح تحقيق رسمي ومحاسبة الجهات المسؤولة.
اقرأ أيضاً: الحكومة العراقية تصنّف “حزب الله” اللبناني و”الحوثيين” منظمات إرهابية
هذا التراجع الحاد فتح باب التأويلات على مصراعيه وعمّق الشكوك بشأن آلية اتخاذ القرار داخل بغداد؛ إذ اعتبرت قوى سياسية وفصائل مسلّحة أنّ ما حصل يمثل مساساً بثوابت العراق الإقليمية، فيما رأت أطراف أخرى أنّ نشر القرار دون تدقيق يكشف ارتباكاً في إدارة الملفات الحساسة وربما ضغطاً دولياً دفع باتجاه خطوة قوبلت برفض شعبي وسياسي داخل البلاد.
ويقول واثق الجابر، الباحث في الشأن السياسي العراقي، لـ”963+” إنّ القرار الذي اتُّخذ، أو ربما صدر واتُّهمت به الحكومة العراقية، يُعَدّ، كما يوضح، نتاج خطأ إدارياً، مشيراً إلى أنّ الحكومة شكّلت بهذا الخصوص لجاناً تحقيقية عالية المستوى.
ويضيف في توضيح آخر أنّ الحكومة أرسلت كتاباً تطلب فيه إلغاء الفقرات المتعلقة بحظر “حزب الله” وجماعة “أنصار الله” الحوثيين.
ويشرح الجابر أنّ الحكومة العراقية، والعراق عموماً، يسعيان إلى أن يكونا متوازنين ومتواشجين مع السياسات الدولية، لكنّه يشير إلى أنّ الداخل العراقي تحكمه سياسات محددة.
ويرى أنّ العراق لا ينتمي إلى أي محور من المحاور الإقليمية أو الدولية، لكنه رغم ذلك يمتلك ثوابت واضحة، خصوصاً تجاه قضايا المقاومة والقضية الفلسطينية.
على الجانب الحكومي، حاولت بغداد امتصاص الصدمة بالتأكيد على أنّ موقف العراق من “محور المقاومة” لم يتغيّر، وأنّ البلاد ملتزمة بسياسة عدم التمحور، مع حرصها في الوقت نفسه على تطوير علاقاتها مع الشركاء الدوليين والحفاظ على نظام مصرفي يتوافق مع المعايير الدولية. كما شددت الحكومة على أنّ بعض الجهات تحاول توظيف الحادثة لتحقيق مكاسب سياسية أو استهداف رئيس الوزراء.
غير أن الأصداء لم تبقَ داخل حدود العراق؛ إذ أثارت الحادثة تساؤلات خارجية حول مدى موثوقية العراق في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب، وإمكانية تبدّل القرارات الحساسة تحت ضغط داخلي أو خارجي، ما قد يؤثر على علاقات بغداد مع المؤسسات الدولية والدول الشريكة.
لكن، في ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو أن ما حصل لم يكن مجرد خطأ إداري، إنما حلقة جديدة في صراع التوازنات العراقية بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، وبين سعي الدولة إلى تقديم صورة منضبطة للمجتمع الدولي وحرصها في الوقت نفسه على عدم المساس بحساسيات المشهد السياسي المحلي.
اقرأ أيضاً: العلاقات العراقية-الأميركية بين التوازن الداخلي والتوترات الإقليمية
موقف حكومي وتوازنات داخلية؟!
يعتقد الجابر أنّ الموقف العراقي لم يتغيّر، مستشهداً بالدستور الذي يشير بوضوح إلى تجريم التطبيع وتجريم الجماعات الإرهابية المتطرفة.
ويلفت الجابر إلى أنّ ما حدث ربما يُعدّ جزءاً من الصراع السياسي الداخلي ومحاولة للإطاحة برئيس الوزراء أو اتهامه، لكنّه يؤكّد أنّ الموقف العراقي ما يزال ثابتاً تجاه هذه القضايا.
أمّا فيما يتعلق بمسألة حصر السلاح بيد الدولة والجماعات المسلحة داخل العراق، فيعتبر الجابر أنّ هذا الموضوع شأناً داخلياً عراقياً، وأنّ منع هذه الجماعات من التدخل في الشؤون الإقليمية يندرج ضمن مساعي إبعاد العراق عن أي صراعات دولية في المنطقة.
ويشير الجابر أيضاً إلى أنّ العراق، مثلما يرفض التمحور مع أي من المحاور الدولية، لا يتمحور مع المحور الإيراني، بل يمتلك شراكات جيدة مع أميركا والدول الإقليمية.
ويعلل ذلك بأنّ العراق يسعى إلى علاقات طبيعية كدولة جارة لبقية الدول المجاورة، ويتعامل معها وفق خصوصيته، لكنه لا ينصاع للسياسات الإيرانية ولم يتخذ قرارات تنسجم معها حالياً.
اقرأ أيضاً: “الحشد الشعبي” بين الضغوط الأميركية والانسحاب الإيراني والانقسامات الداخلية
مناورة سياسية وتراجع مرتبك
يقول وسيم جانبين، الصحفي المقيم في لبنان، لـ”963+” إنّ سردية “الخطأ الإداري” أو “النسخ واللصق” من قوائم دولية، مثلما قيل عن الطلب الماليزي الذي سُرّب، تمثّل استخفافاً بعقول المتابعين وليست مجرد تبرير واهٍ.
ويضيف أنّه لا يمكن لقرار يمسّ أركان “محور المقاومة” أن يمر عبر سلسلة التواقيع البيروقراطية، من لجنة تجميد الأموال إلى الجريدة الرسمية، من دون أن يلاحظه أحد.
ويشير جانبين إلى أنّ ما حدث فعلياً، بحسب تحليله، هو أنّ السوداني حاول ممارسة ما يسميه “التقية السياسية” مع المجتمع الدولي.
ويشرح أنّ الخطوة كانت محاولة بائسة لتقديم “فاتورة مسبقة” للخزانة الأميركية ولمجموعة العمل المالي (FATF) من أجل حماية النظام المصرفي العراقي، على أمل أن يمر القرار بصمت داخلياً.
لكنه يلفت إلى أنّ سرعة التراجع خلال أقل من 24 ساعة، إضافة إلى انفجار الغضب لدى الفصائل الولائية، تُثبت أنّ ما جرى لم يكن سهواً بل بالون اختبار سياسيّاً انفجر في وجه صاحبه، ما أجبر الدولة على التراجع واختراع رواية “الخطأ الفني” لستر ما يسميه “العورة السياسية”.
ويستفسر جانبين مستنكراً: كيف يمكن لشركاء العراق، من أميركا إلى أوروبا والمؤسسات المالية، أن يثقوا بآليات مكافحة الإرهاب في بغداد إذا كان تعريف “الإرهابي” يتغير بمجرد مكالمة هاتفية؟ ويجيب بأنّ تأثير ذلك كارثياً، إذ سيجعل أي إجراء مستقبلي لتجميد الأصول مجرد حبراً على ورق في نظر العالم.
ويعتبر أنّ العراق أرسل رسالة واضحة مفادها: “قوائمنا تخضع للتوازنات البرلمانية والمحاصصة، لا للمعطيات الأمنية”، ما سيؤدي إلى زيادة الضغوط والتدقيق الدولي على المصارف العراقية بعد انهيار الثقة بـ”الفلتر العراقي”.
ويشير جانبين إلى أنّ القرار العراقي مصادراً، وما حدث يمثل تذكيراً فجاً بأن “الدولة العميقة” في بغداد هي التي تحكم، وأنّ الحكومة الرسمية ليست سوى واجهة للعلاقات العامة.
ويرى أنّ التراجع عن القرار يثبّت موقع العراق كرئة تتنفس منها طهران وحلفاؤها. ويعتقد أنّ الخوف لم يكن فقط من رد الفعل الداخلي، بل من الخروج عن النص الإيراني في لحظة إقليمية حساسة تتزامن مع حرب غزة ولبنان.
ويخلص جانبين إلى أنّ قوائم الإرهاب في العراق باتت بورصة سياسية، موضحاً أنّ الإدراج كان رسالة غزلاً للخارج، بينما كان الحذف رسالة طاعة للداخل.










