في خضمّ جهود مكثفة تُبذل من قبل دول المنطقة للقضاء على شبكات تصنيع وترويج المخدرات، برزت في السنوات الأخيرة سلسلة من الضبطيات والتوقيفات التي تضع قضية المخدرات ـ وعلى رأسها كبتاغون ـ في قلب الصراع على الأمن الإقليمي.
وتكشف هذه الضربات أن المعركة لم تعد على “المروجين الصغار” فقط، بل تستهدف “عصابات راسخة” مدعومة من شبكات تمتد عبر الحدود ومزودة بتمويل وخبرة لوجستية. كما تنشط تحذيرات من تحول مراكز تصنيع المخدرات إلى دول أخرى، أبرزها اليمن، مع ما يعنيه ذلك من تهديد أوسع على مستوى الأمن الإقليمي.
ففي لبنان مثلاً، أعلن في أيلول/سبتمبر 2025 عن تفكيك شبكة دولية لتهريب المخدرات كانت تهدف إلى تصدير حبوب الكبتاغون والحشيش إلى دول الخليج، وتم توقيف مجموعة من أبرز الشخصيات ضمنها نوح زعيتر، المعروف بنفوذه في شبكة التهريب وارتباطه بخطوط تهريب كبيرة بين لبنان وسوريا. هذا التوقيف شكل نقطة تحول واضحة، إذ أظهر قدرة السلطات على استهداف رؤوس الشبكات الكبرى وليس فقط المروجين الصغار، كما ألقى الضوء على الجهود الأمنية المشتركة بين الجيش والأجهزة المختصة لملاحقة أبرز المطلوبين.
كما في تموز/يوليو 2025 تفكيك معمل ضخم لإنتاج الكبتاغون في بلدة يامونة قرب بعلبك، أُعلن أنه “من أكبر المعامل” التي تم ضبطها حتى الآن في لبنان. وصادرت سلطات الجيش كمية كبيرة من معدات التصنيع والمخدرات، ودمرت المعمل بالكامل كجزء من جهود مكثفة لتعطيل سلسلة التصنيع محلياً.
أما في سوريا، فشهد العام الجاري بدوره عدة عمليات ضبط ضخمة. ففي 21 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت وزارة الداخلية أنها ضبطت نحو 12 مليون حبة كبتاغون في منطقة الضمير قرب دمشق، في عملية وصفت بأنها من أكبر الضبطيات منذ تولّي الحكومة الانتقالية مقاليد السلطة.
وفي 28 أكتوبر، أعلنت عن ضبط 11 مليون حبة كبتاغون قادمة من لبنان في سيارة ضبطت في ريف محافظة حمص. كذلك في 2025 — في محافظة درعا جنوب سوريا — ضبطت السلطات ما يناهز 1.7 مليون حبة كبتاغون في إحدى العمليات الأمنية. وفي محافظة حلب تم ضبط 800 كيلوغرام من الحشيش و200 ألف حبة كبتاغون خلال محاولة تهريب، ما يعكس استمرار تدفقات المخدرات — رغم الحملات الأمنية المكثّفة.
اقرأ أيضاً: الوقاية أم التجريم… أساس مكافحة المخدرات في سوريا؟
مضبوطات كبرى.. ونقلٌ للنشاط
يشير استمرار الدولة في استهداف البنى الأساسية لشبكات المخدرات، رغم صعوبة السيطرة على كل المناطق الحدودية، إلى أن هذه الضبطيات لم تؤثر فقط على التدفقات المحلية، بل حاولت قطع خطوط التهريب الدولية التي كان يعتمد عليها التجار في توسيع أعمالهم.
هذه الضبطيات المتزامنة في لبنان وسوريا تُظهر أن الحرب على المخدرات دخلت مرحلة “التفكيك المنهجي للنواة الأساسية” للشبكات، وليس فقط معاقبة مروّجين أو تجار محليين. لكن الصدمة الأمنية لم تفلح بعدُ في قطع الطريق نهائياً على هذه التجارة.
وفي سياق متصل، ظهرت مؤشرات وتحليلات حديثة تشير إلى أن بعض شبكات المخدرات بدأت تحوّل نشاطها إلى مناطق أخرى ذات هشاشة أمنية، مثل اليمن، بهدف إعادة تأسيس معامل تصنيع المخدرات بعيدة عن الرقابة المشددة في لبنان وسوريا.
وقد صرّح مسؤولون يمنيون بأن خبراء سوريين مرتبطين بهذه الشبكات خططوا لإنشاء معمل لإنتاج الكبتاغون داخل الأراضي اليمنية، ما يعكس القدرة على التكيّف والتوسع، ويبرز التحدي الإقليمي الذي تواجهه السلطات في مواجهة تجارة المخدرات العابرة للحدود.
هذه التطورات تؤكد أن الحرب على المخدرات دخلت مرحلة جديدة، حيث لم تعد مجرد ضبطيات فردية أو توقيف مروجين صغار، بل حملة منهجية لاستهداف البنية الأساسية للشبكات الكبرى. كما يوضح نقل النشاط إلى دول مثل اليمن حجم التحديات المقبلة، ويضع المعركة على جدول أعمال إقليمي واسع، يتطلب تنسيقاً دولياً ومتابعة دقيقة لضمان تفكيك هذه الشبكات بشكل مستدام، ومنع تمددها إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
يقول عبدالرحمن ربوع، ناشط وباحث يقيم في القاهرة لـ”963+”: إنّه منذ وصول السلطة الحالية إلى دمشق، وعلى مدى عام كامل، شهدنا ـ كما يشير ـ ضبطَ وإتلافَ كميات هائلة من المخدرات تزيد قيمتها عن ثلاثة مليارات دولار، وفق تقديرات غير رسمية. ويضيف أنه تم كذلك الكشف عن عشرات المصانع والمخازن المخصّصة لصناعة وتخزين المخدرات، وتم تدميرها بالكامل.
ويشرح أن معظم هذه المصانع والمخازن كانت تقع ضمن مناطق عسكرية أو أمنية، ويلفت إلى أن “بارونات” هذه الصناعة والتجارة هم اليوم بين محبوس أو متوارٍ أو هارب خارج البلاد بعد أن كانوا يشغلون أرفع المناصب في حكومة الأسد.
كما يعلّق بأن محاولات التهريب عبر الحدود تم ويتم إحباطها، ولم نعد نسمع عن أخبار ضبط شحنات مخدرات قادمة من سوريا إلى دول الجوار كما كان يحدث في السابق، وإن كان يوضح أنها لم تتوقف نهائياً، لأن هناك ما تزال مناطق سورية لا تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة الانتقالية، ولا يزال من الصعب على قوات هذه الحكومة الوصول إلى كل الحدود والسيطرة عليها، خصوصاً مع لبنان والأردن.
ويتابع موضحاً أنه بعد أن كانت سوريا مصدراً للمخدرات يغطي جزءاً كبيراً من احتياجات الشرق الأوسط وأوروبا وشمال أفريقيا، تقلّص هذا الدور، وعادت سوريا لتكون مستقبِلة لا مصدِّرة. وما تزال بعض البؤر تنتج وتصدر المخدرات، لكنها ـ كما يوضح ـ خارج سيطرة الحكومة الانتقالية في معظمها.
اقرأ أيضاً: “متوفرة كأي سلعة عادية”.. تضخم سوق المخدرات في سوريا
جهود حكومية
يؤكد ربوع أن ما تقوم به الحكومة الانتقالية ليس مرتبطاً بضغوط خارجية، بل يرتبط بطبيعتها الملتزمة دينياً، وبرغبتها في إثبات اختلافها عن النظام السابق الذي كان ـ كما يرى ـ يعتاش على صناعة وتجارة المخدرات في آخر ست سنوات من حكمه. كما يشير إلى وجود توجه حثيث لمنع زراعة واستيراد وتصنيع التنباك والسجائر، أو على الأقل فرض ضرائب باهظة عليها.
في السياق ذاته، يقول الدكتور هشام الأعور، باحث في الشؤون السياسية والدولية يقيم في لبنان لـ”963+”: إن الحملة الجارية ضد تجار المخدرات في سوريا ولبنان تبدو في ظاهرها جزءاً من مسار أمني مستمر، وليست مجرد استجابة ظرفية لضغوط سياسية.
ويضيف موضحاً أن حجم العمليات الأمنية وتفكيك الشبكات وتزايد الضبطيات على الحدود كلها مؤشرات على وجود جهد حقيقياً، حتى لو كان متفاوت الفاعلية بين منطقة وأخرى. لكنّه يعلّق بأن المشهد ليس بهذه البساطة، إذ تتقاطع الاعتبارات السياسية مع الأمنية بشكل واضح.
وفي ما يخص لبنان، يشير إلى أنه رغم الضربات الكبيرة التي وُجّهت لعدد من شبكات التهريب، فقد برزت ظاهرة جديدة ذات بعد سياسي، تتمثّل في الحديث الدائر في الكواليس عن التحضير لقانون عفو عام.
ويرى أن هذا المناخ خلق هامش مناورة لبعض كبار التجار المطلوبين، إذ بدأ بعضهم بتسليم نفسه طوعاً، ليس رغبةً في تسوية جدية، بل استباقاً لقانون مرتقب قد يمنحهم مخرجاً آمناً وإمكانية استعادة نشاطهم لاحقاً. ويشرح أن جزءاً من “الاستسلامات” الحالية هو استثمار محسوب في لحظة سياسية أكثر مما هو رضوخ حقيقي لمنطق الدولة.
أما في سوريا، فيوضح أن الصورة أكثر تعقيداً بسبب تداخل الفصائل والاقتصادات الموازية، إذ تستمر عمليات الضبط الأمني رغم اتساع شبكات التصنيع والتهريب التي ازدهرت خلال سنوات الفوضى. ويلفت إلى أن تلك الشبكات أعادت تشكيل نفسها وغيّرت خطوط الإنتاج والطرق، ما يجعل المواجهة الأمنية مفتوحة على استنزاف طويل.
ويخلُص إلى أن الحملة الأمنية حقيقية ومستمرة، لكنها تجري وسط بنية سياسية وأمنية هشة تسمح للعاملين في تجارة المخدرات بالبحث عن ثغرات للالتفاف عليها. ففي لبنان، يتمثل هذا الالتفاف في الرهان على العفو العام، بينما في سوريا يتمثل في استغلال الفوضى لإعادة إنتاج الشبكات. وهذا ما يجعل المعركة طويلة ومعقدة رغم الزخم الأمني الظاهر.
ويؤكد أن العمليات الجارية لا تقتصر على المروجين الصغار، بل تمتد إلى رؤوس الشبكات الكبيرة. والدليل الأبرز، كما يذكر، هو توقيف شخصيات ذات وزن ثقيل مثل نوح زعيتر، ما يعكس انتقال الحملة من مستوى “التنظيف الموضعي” إلى استهداف البنية الأساسية التي تدير الإنتاج والتهريب والتمويل.
ومع ذلك، يوضح أن هذا الاستهداف ليس كاملاً؛ فالكثير من العمليات ما زال يطاول الطبقات الدنيا والمتوسطة، بينما تنجح بعض الشبكات الكبيرة في المناورة عبر استغلال الثغرات السياسية والأمنية وإعادة ترتيب صفوفها بعد كل ضربة.
ويتابع مبيناً أن توقيف أسماء بحجم نوح زعيتر يؤكد أن الرؤوس ليست محصّنة، لكن المعركة ضد الشبكات الكبرى ما تزال جزئية وغير حاسمة، وأن تلك الشبكات قادرة على التكيّف والاستمرار رغم الخسائر.
اقرأ أيضاً: من هو وسيم الأسد؟
حملات وجهود أمنية مكثفة
وفي السياق اللبناني، يوضح الأعور أن الجهود الأمنية تتصاعد بشكل غير مسبوق، إذ تركز الأجهزة على تفكيك المعامل الرئيسية وتتبع خطوط التهريب الأساسية، مع استهداف رؤوس الشبكات المؤثرة مباشرةً.
ويضيف أن هذه الاستراتيجية تعكس رغبة واضحة في ضرب البنية العميقة للشبكات، لا مجرد المروجين الصغار، عبر عمليات تجمع بين المراقبة الاستخباراتية والكمائن المشتركة بهدف قطع مسارات التهريب وإضعاف القدرة اللوجستية للشبكات.
وعلى صعيد متصل، يشير إلى أن السلطات السورية تنسق جهودها مباشرةً مع لبنان ضد الشبكات العابرة للحدود التي تحاول تهريب المخدرات إلى السعودية ودول عربية أخرى. ويرى أن هذا التنسيق يعكس تبادلاً استخبارياً محكماً وعمليات مشتركة تهدف إلى تضييق الخناق على العصابات وتدمير بنيتها التشغيلية قبل أن تتوسع، وهو ما يعكس ضغطاً إقليمياً متزايداً.
كما يلفت إلى أن سياسة وزير الزراعة اللبناني نزار هاني تمثل رؤية شاملة للدولة، إذ دعا إلى توجيه المخدرات المضبوطة ـ بعد معالجتها ـ إلى الاستخدام العلاجي بدلاً من تلفها، ما يربط المواجهة الأمنية باستفادة استراتيجية من الموارد المصادرة.
ويشرح الأعور في خلاصة تحليله الإقليمي أن الضغوط العربية تلعب دوراً أساسياً في تحديد توقيت وشدة الحملات ضد شبكات المخدرات، ولا سيما بعد كشف عمليات تهريب ضخمة نحو السعودية ودول عربية أخرى. وقد وضع ذلك السلطات اللبنانية والسورية تحت مراقبة وإلحاح مباشر، ما دفعهما إلى تكثيف المداهمات والعمليات الاستخباراتية لاستهداف خطوط التهريب ورؤوس الشبكات الكبرى.
ويضيف أن الضغط الخارجي لا يقتصر على توجيه الحملات، بل يؤثر في طبيعة الأهداف المختارة، بحيث تصبح الشبكات ذات الامتداد الدولي أولوية، بينما تتراجع العمليات التي تركز فقط على المروجين المحليين.
ويختتم موضحاً أن الحكومة اللبنانية والحكومة السورية لا تمتلكان حتى الآن آليات شفافة أو منهجية دقيقة لقياس تقدم الحملات. فالغالبية العظمى من القرارات تُتخذ بناءً على المستجدات الميدانية والضغوط اللحظية، دون مؤشرات واضحة أو تقييمات دورية. وفي لبنان تتسارع الحملات أو تتباطأ وفق حجم عمليات التهريب الدولية، بينما في سوريا تؤثر تغييرات خطوط التهريب والفوضى الأمنية على حجم العمليات وفعاليتها.
ويؤكد أخيراً أن أي تقييم للنجاح يبقى حتى الآن مؤقتاً ومحدود الرؤية، يعتمد على ضبط كميات معينة أو اعتقال بعض المتورطين، دون القدرة على قياس تأثير طويل الأمد أو ضمان تفكيك حقيقي للشبكات الكبرى.










