رغم سقوط النظام السوري السابق الذي ارتبط اسمه كثيراً داخل أروقة الاجتماعات الدولية بصناعة وتجارة ‘‘الكبتاغون’’، إلّا أن البلاد لا تزال مركزاً لإنتاج وتوزيع وتعاطي المخدرات، وفق آخر تقرير أممي. ما أثار تساؤلات حول كيفية مكافحة هذه الظاهرة وأسباب استمرارها، رغم تعهد الحكومة السورية بمحاربتها وتعطيل سلاسل التوريد وقد أثبت ذلك من خلال التدمير العلني لكميات كبيرة من الكبتاغون التي تم ضبطها.
حملات أمنية مستمرة وتحذيرٌ أممي
وفي أحدث تقريرٍ لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الصادر في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات 26 حزيران/يونيو الفائت، حذّر التقرير من أن سوريا لا تزال مركزاً رئيسياً لمخدّر الكبتاغون على الرغم من الحملات الأمنية الدورية التي أطلقتها السلطات الانتقالية في سوريا لمكافحة المخدرات والقبض على تجّارها ومروّجيها ومتعاطيها.
وفي إطار الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات، أطلقت الحكومة السورية حملات أمنية تمكّنت فيها من ضبط كميات ضخمة من المواد المخدرة، شملت ملايين الحبوب المخدّرة ومئات الأطنان من المواد المحظورة، وذلك خلال الفترة الممتدة من سقوط النظام البائد وحتى نهاية شهر حزيران/يونيو الفائت، وتأتي هذه النتائج في سياق الجهود المستمرة لتجفيف منابع الاتجار غير المشروع، والحد من انتشار هذه الآفة الخطيرة.
اقرأ أيضاً: وزارة الداخلية تضبط مليون و700 ألف حبة “كبتاجون” معدّة للتهريب جنوبي سوريا
القوانين السورية
نصت المادة 43 من قانون المخدرات السوري لعام 1993 على عقوبة الشخص الذي يحوز المخدرات بغرض تعاطيها بالاعتقال المؤقت (من 3 سنوات إلى 15سنة) وبالغرامة من مائة ألف إلى خمسمائة ألف ليرة. أمّا عقوبة الإتجار بالمخدرات فهي الاعتقال المؤبد والغرامة من مليون إلى خمسة ملايين ليرة سورية، وأحياناً قد تصل عقوبة مهرب المخدرات ومصنّعها وزارعها بقصد الإتجار بها إلى الإعدام.
وتمتلك سوريا إطاراً قانونياً قوياً، يمنع المواطنين من إنتاج المخدرات أو الاتجار بها أو تناولها. ومع ذلك، من الناحية العملية، نادراً ما أدت هذه القوانين إلى تعطيل تجارة المخدرات في البلاد، بل وشكّلت المخدرات مصدراً اقتصادياً أساسياً للنظام البائد خلال السنوات الماضية، من خلال تحويل سوريا إلى مركز لصناعة وتجارة المخدرات واستخدام تلك الآفة كسلاح عابر للحدود العربية والإقليمية.
وبحسب تقارير أميركية وبريطانية، فإن 80% من الكبتاغون في العالم كان يُصدَّر من سوريا في عهد النظام السوري السابق، فيما قدّرت مراكز بحث أميركية أن تجارة الكبتاغون جلبت مليارات الدولارات سنوياً للنظام وحلفائه خلال سنوات الحرب السورية.
اقرأ أيضاً: الأردن يحبط تهريب كميات كبيرة من المخدرات قادمة من سوريا
الوقاية أم التجريم؟
وتعتبر قضية مكافحة المخدرات في سوريا من القضايا الجدلية التي تُثير الكثير من النقاش في الأوساط القانونية والاجتماعية. ففي تصريحات لـ”963+”، يوضح الدكتور في القانون العام، أوس درويش، أن الوقاية والتجريم يعتبران عنصرين أساسيين في مكافحة ظاهرة المخدرات، ولكنه يشير إلى أن المنهج الحديث يميل إلى التركيز بشكل أكبر على الوقاية كأداة أساسية للقضاء على هذه الظاهرة بشكل نهائي، مما يقلل الحاجة إلى التجريم والعقوبات.
ويتابع قائلاً: “التجريم يعتبر ضرورياً لإنفاذ القانون ومعاقبة المجرمين، إلّا أن الوقاية تعتبر أكثر استدامة وفعّالية على المدى الطويل في الحد من الجريمة، لأنها تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للجريمة من خلال تدخلات اجتماعية واقتصادية وتربوية تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية والحد من الفقر والبطالة وتوفير فرص التعليم والعمل”.
وينوّه درويش إلى أن قانون المخدرات رقم 2 لعام 1993، الذي حدد المادة الجرمية والعقوبة المتعلقة بالإتجار والتعاطي وتهريب المخدرات، هو جيد نوعاً ما ولكنه يحتاج لتعديل بعض مواده في الفترة الحالية، كما شدد على ضرورة تعزيز سيادة القانون وتطبيق القوانين واللوائح بشكل فعّال لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
وبسبب الظروف الاستثنائية التي مرت بها سوريا، يؤكد الدكتور السوري في القانون العام، على ضرورة تبني استراتيجية شاملة لمكافحة ظاهرة المخدرات تتضمن عملية توازن لكل من الوقاية والتجريم، فيجب أولاً وفق درويش أن يتم التركيز على “معالجة الأسباب العميقة للصراع والنزوح والفقر والإرهاب التي أدت إلى تفاقم وانتشار ظاهرة المخدرات بشكل كبير جداً”.
فيما يرى الطبيب النفسي المتخصص في مجال علاج الإدمان ماجد محمد، بأن الوقاية والعلاج هي أساس مكافحة المخدرات، كونها أكثر فعالية في المدى الطويل وتسعى إلى منع تعاطي المخدرات في المقام الأول من خلال التثقيف والتوعية، وتركّز على بناء مجتمعات قوية وصحية، وتعزز الوعي بمخاطر المخدرات، وتوفّر بيئة داعمة للشباب والأسر.
ويضيف في حديثه لـ”963+” أن “التركيز على التجريم في معاقبة المتعاطين والمتاجرين بالمخدرات ربما يكون له تأثير رادع على بعض الأفراد ولكنه ليس كافياً لأنه لا يعالج الأسباب الجذرية للإدمان ولا يمنع انتشاره، فالإدمان على المخدرات يعد حالة صحية تتطلب العلاج والوقاية والدعم لا الحكم والعقاب أو الوصم”.
تجارب الدول
ويستشهد محمد بتجارب بعض الدول التي اعتمدت سياسات لمكافحة المخدرات تركز على الوقاية والعلاج بدلاً من التجريم، قائلاً: “تعتبر البرتغال من أوائل الدول التي قامت بإلغاء تجريم تعاطي المخدرات وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية للمتعاطين بدلاً من معاقبتهم، كما أن سويسرا وأوروغواي وكندا وغانا أيضاً تتبنى مقاربات تركز على معالجة الأسباب الجذرية لتعاطي المخدرات وتقديم الدعم للمتعاطين، بدلاً من التركيز على العقوبات الجنائية”.
وأظهرت بعض الدراسات أن سياسات هذه الدول قد أدت إلى انخفاض في معدلات تعاطي المخدرات، وانخفاض في عدد الوفيات المرتبطة بتعاطي المخدرات، وتحسن في الصحة العامة، لذا يرى محمد أنه من الضروري تطبيق هذا النهج في سوريا أيضاً، خاصة وأن السوريين يعانون أساساً من غياب الأمن وفقدان احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب ارتدادات الحرب التي عاشوها واستمرار آثارها النفسية والجسدية.
العقبات والتحديات
وحول العقبات والتحديات التي تواجه تطبيق إجراءات الوقاية والعلاج، يعقّب محمد: “يشكّل انعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي، الصعوبات الاقتصادية، محدودية الموارد المالية، قلة الكوادر الطبية المؤهلة والخبيرة في مجال معالجة الإدمان، ضعف البنية التحتية للمؤسسات الرسمية ومواجهة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بتعاطي المخدرات، عائقاً كبيراً أمام تنفيذ برامج الوقاية”.
وينوه إلى أن هناك العديد من التجارب الناجحة المحلية التي لم يُكتب لها الاستمرار، نتيجة مجموعة من التحديات، بعضها يتعلق بالمريض كعدم وجود رغبة حقيقية في متابعة العلاج، وغياب وجود الأسرة الداعمة المتفاعلة، وعدم القدرة على إشغال المتعاطي بأنشطة نافعة تساعده على قضاء وقته بشكل فعّال ودمجه في المجتمع.
كما أن هناك تشتت في الجهود بين مختلف الجهات الفاعلة في مجال الوقاية، بما في ذلك الحكومة والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية، مما يؤدي إلى ازدواجية في العمل وتداخل في المهام، كما لا يتم تنفيذ الاستراتيجيات المتبعة في مكافحة المخدرات بالجدية المطلوبة، وفق محمد.
ويضيف المختص في مجال معالجة الإدمان، أن متعاطي المخدرات في سوريا يُترك وسط براثن الإدمان دون رعاية أو توجيه بسبب غياب مراكز الاستماع أو الدعم النفسي والاجتماعي، وهناك حاجة ماسة إلى مراكز لمحاربة الإدمان توفّر التوجيه والعلاج والدعم النفسي والروحي، وتحمي الأرواح قبل فوات الأوان.
ويردف درويش قائلاً: “في ظل الوضع السوري الراهن لا يمكن تطبيق إجراءات الوقاية آنفة الذكر، كون البلاد لا تزال تعاني من حالة انهيار وعدم استقرار وضعف في أجهزة الرقابة الأمنية والصحية، ولا توجد مؤسسات حقيقية تولي الاهتمام الكافي بمكافحة ظاهرة المخدرات، خاصة بعد حل جهاز الشرطة الذي كان يحوي على ضباط أكاديميين متخصصين في مجال مكافحة المخدرات واستبدالهم بعناصر غير مؤهلة”.
اقرأ أيضاً: لماذا يستمر تدفق الكبتاغون رغم سقوط الأسد؟
الحلول والتوصيات
ودعا الأكاديمي السوري إلى ضرورة تصميم برامج متنوعة تتناسب مع الشرائح المستهدفة، يقوم عليها فريق متخصص مدرَّب قادر على بناء حالة من الوعي الطبي والقانوني والشرعي والمجتمعي تجاه الآثار المترتبة على عمليات التعاطي.
فيما يرى محمد أن “لتحقيق سياسات متوازنة في مكافحة المخدرات، يجب تبني نهج شامل يجمع بين الوقاية والعلاج والتجريم، مع التركيز على حماية الصحة العامة وحقوق الإنسان، ويجب أن تشمل هذه السياسات، توفير برامج وقاية وتوعية شاملة للشباب والأسر والمجتمع بشكل عام والتركيز على مخاطر المخدرات وأضرارها الصحية والاجتماعية، وتوفير بيئة أسرية داعمة ومشجعة”.
كما يجب تضمين برامج توعية حول المخدرات في المناهج الدراسية، ودعم دور منظمات المجتمع المدني في تنفيذ برامج الوقاية والتوعية، وتوسيع نطاق خدمات العلاج والتأهيل للمدمنين، وتطبيق عقوبات رادعة على المتاجرين بالمخدرات مع مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمدمنين، بحسب محمد.
ويضيف أنه يتوجب توفير مراكز علاجية متخصصة ومدربة تقدم خدمات العلاج والتأهيل للمدمنين، بما في ذلك العلاج الدوائي والنفسي والاجتماعي والمالي للمتعافين لمساعدتهم على الاندماج في المجتمع والعودة إلى الحياة الطبيعية، وضمان سهولة الوصول إلى خدمات العلاج والتأهيل، من خلال توفيرها في أماكن قريبة من المجتمعات المحلية، وبأسعار معقولة أو مجانية.
كما يجب على الحكومة في سوريا، وفق محمد، إيقاف وصول المواد الأولية المستخدمة في تصنيع حبوب الكبتاغون، وأن تلتزم بوعودها في محاربة هذه الآفة وإيجاد حلول اقتصادية وسياسية شاملة تحسن من الظروف المعيشية للسوريين وتعيد ضبط الحدود مع جيرانها بشكل فعّال.










