يرى باحثون ومراقبون أن المؤسسات الأمنية والعسكرية في سوريا الجديدة، رغم مرور أشهر على إعادة تشكيلها، ما تزال بعيدة عن أن تكون مؤسسات وطنية تمثل كل السوريين. فبدلاً من أن تتحول إلى ركيزة لوحدة البلاد، تحوّلت إلى ساحة تجاذب بين الولاءات والانتماءات، في ظل ضعف القيادة الانتقالية وهشاشة البنية الإدارية والسياسية للدولة الجديدة، فيما يؤكد باحثون آخرون أن البلاد قطعت نصف الطريق نحو إعادة بناء وطنية جامعة، غير أن المؤشرات الميدانية تُظهر تعثّراً واضحاً في استقطاب مختلف المكونات السورية، ما يجعلها مؤسسات انتقالية أكثر من كونها مؤسسات دولة مكتملة.
قرارات مرتجلة وبنية ضيقة
يؤكد الباحث السياسي محمد هويدي في تصريحات لـ”963+” أن السلطة الجديدة “لم تستطع استقطاب باقي المكوّنات السورية، لأن بنيتها ذات لون واحد وصبغة فكرية وطائفية محددة، مما جعلها عاجزة عن إنتاج خطاب وطني جامع يعبّر عن تطلعات جميع السوريين”.
ويقول هويدي إن “إعادة تشكيل المؤسستين الأمنية والعسكرية بعد سقوط النظام جرت بطريقة مرتجلة، رافقها تسريح واسع للعاملين والضباط ممن لم يكن لهم أي دور مباشر في الحرب السورية، ما أدى إلى إفراغ المؤسستين من خبراتهما البشرية وإقصاء شريحة واسعة من السوريين الذين كان يمكن أن يسهموا في عملية إعادة بناء المؤسسات الوطنية”.
ويضيف أن “السلطة انغلقت على دائرة ضيقة من الولاءات، فيما انكفأت المكوّنات الأخرى على مجتمعاتها المحلية فاقدة الثقة بمؤسسات الدولة. وهكذا تراجعت فكرة الدولة الوطنية الجامعة لتحلّ محلها هويات فرعية متناحرة، كل منها يرى في الآخر خصماً لا شريكاً في الوطن”.
اقرأ أيضاً: قضية “جمال الشرع”.. مخاوف من عودة المتنفذين و”اقتصاد الظل” في سوريا – 963+
إرث ثقيل وثقة مفقودة
تحمل عملية إعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية إرثاً ثقيلاً من عقود الحكم السابقة، حيث ارتبطت هذه الأجهزة تاريخيًا بحماية النظام لا الدولة، وتحولت إلى أداة ضبط اجتماعي وسياسي، وهو ما جعلها موضع شك دائم في الوعي السوري العام.
ومع سقوط النظام، كان الأمل كبيرًا في أن تستعيد هذه المؤسسات طابعها الوطني، لكن ما حدث، بحسب المراقبين، لم يخرج تمامًا من الإطار التقليدي القديم، بل أعاد إنتاج كثير من آلياته بصورة جديدة.
نصف الطريق قُطع
الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية حسان خليلو يقدم قراءة أكثر تفاؤلاً، معتبراً أن ما يحدث هو جزء طبيعي من المراحل الانتقالية بعد الثورات.
يقول خليلو لـ”963+” إن “من الطبيعي بعد الثورات الناجحة حصول حالة من الانغلاق لبعض الوقت حتى يتم اجتثاث الماضي، وهذا تم في سوريا بشكل سريع”.
ويضيف أن “إعلان التطوع في الأمن الداخلي والجيش داخل سوريا كان كثيفًا في الأشهر الماضية، وتشكيل الشرطة السياحية في المدن الساحلية بمشاركة أبناء وبنات الطائفة العلوية دليل على تعددية الهوية داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهذا ينافي القول بلون واحد”.
كما يشير إلى أن “الاتفاق مع قوات سوريا الديموقراطية وتطبيق اتفاق 10 آذار/مارس، والحديث عن تشكيل ثلاث فرق عسكرية لقسد ضمن الجيش السوري، تمثل مؤشرات على أن المؤسسات تجاوزت نصف الطريق نحو بناء بنية وطنية أكثر توازناً”.
تحديات الدمج وواقع السيطرة
رغم هذه المؤشرات، ما تزال عملية دمج الفصائل المسلحة في المؤسسة العسكرية تواجه صعوبات كبيرة.
فقد تم إنشاء لجان مختصة لتنظيم عملية الدمج وفق معايير جديدة للتجنيد والانضباط، إلا أن التنفيذ بطيء، والنتائج محدودة.
وتعاني الحكومة الانتقالية من ضعف السيطرة الميدانية، خصوصاً في السويداء ومناطق أخرى تشهد وجود قوى محلية مستقلة ترفض الانضواء الكامل تحت القيادة المركزية، ما ينعكس سلباً على مفهوم الدولة الواحدة والمؤسسة الموحدة.
اقرأ أيضاً: مناظرة حول مستقبل الحكم وبنية الدولة السورية – 963+
تغييب الكفاءات واستمرار الانقسام
تشير تقارير ميدانية إلى استمرار تغييب الضباط المنشقين عن النظام السابق عن مواقع القيادة العليا، واستبدالهم بقادة جدد يفتقر بعضهم إلى الخبرة العسكرية الكافية.
هذا التوجه، بحسب محللين، يعكس غياب استراتيجية واضحة لبناء مؤسسات مهنية حقيقية تعتمد الكفاءة والخبرة، ويعمّق بدلاً من ذلك الانقسام داخل البنية العسكرية والأمنية على أسس مناطقية وطائفية.
ويرى هويدي أن “إقصاء هذه الفئات أفقد المؤسسات الجديدة توازنها الطبيعي، وحرمها من خبرات ضرورية كانت ستسهم في تكوين نواة احترافية فعلاً”، مشيراً إلى أن “غياب التنوع داخل هذه المؤسسات يضعف شرعيتها في أعين السوريين”.
نصف الطريق نحو الوطنية
في المقابل، يؤكد خليلو أن هذه المظاهر لا تعني الفشل الكامل، إذ “بدأت المؤسستان الأمنية والعسكرية فعليًا بالتحول التدريجي إلى بنية أكثر مهنية، رغم التحديات السياسية والميدانية”.
ويضيف أن “الزمن كفيل بترسيخ هذا التحول إذا استمر الانفتاح التدريجي نحو مشاركة أوسع من المكونات السورية في مؤسسات الدولة”.
حتى الآن، يمكن توصيف التجربة السورية في بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية بأنها نجحت في إعادة التأسيس وفشلت في التمثيل.
فقد استعادت الدولة أدواتها الأمنية والعسكرية لكنها لم تنجح في جعلها مؤسسات وطنية جامعة.
تتحكم الاعتبارات السياسية والطائفية في كثير من مفاصل القرار، بينما لا تزال الثقة بين الدولة ومجتمعها مفككة.
هذا الواقع يضع سوريا أمام مرحلة مفصلية: إما المضي في إصلاح حقيقي يفتح الباب أمام مشاركة شاملة للمكونات المختلفة، أو استمرار حالة الانغلاق التي ستُبقي المؤسسات الأمنية والعسكرية في موقعها التقليدي كأدوات سلطة لا أدوات وطن.
في المجمل، يمكن القول إن الفشل النسبي في استقطاب المكونات السورية ما زال العنوان الأبرز للمشهد، وأن الطريق نحو مؤسسة وطنية سورية خالصة ما يزال طويلاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الجامعة.










