على السفح الهادئ لتلة موزان التاريخية قرب بلدة عامودا إلى الغرب من القامشلي شمال شرقي سوريا، تمازجت أصوات الدفوف مع نسمات الخريف، واختلطت رائحة القهوة الكردية بعبق التوابل الأرمنية ونكهات المطبخ العربي. لم يكن المشهد مجرّد احتفال فني، بل لوحة حيّة تعكس تنوع المنطقة الثقافي والاجتماعي، حيث اجتمع العرب والأرمن والكرد في مهرجان حمل عنوان “بتنوع ثقافاتنا سنبني سوريا ديموقراطية”.
وبين إيقاعات الدبكات وضحكات الأطفال، بدا أن الفن قادر على مدّ الجسور بين المكونات، أكثر مما تفعل السياسة أحياناً.
تنوع يغني المشهد الثقافي
المهرجان الذي نظمته مؤسسات محلية في شمال شرق سوريا، جاء كمبادرة لإحياء الفنون الشعبية وتأكيد أهمية التراث بوصفه مساحة للتعارف والتفاهم. شاركت فيه فرق فنية من المكونات الثلاثة، وقدّمت عروضاً موسيقية ورقصات تراثية عكست خصوصية كل ثقافة ضمن إطار من الانسجام والاحترام المتبادل.
وبالنسبة للكثيرين، بدا المهرجان محاولة لإعادة تعريف مفهوم الانتماء السوري، من هوية أحادية إلى مواطنة جامعة، تستمد قوتها من تعددها لا من إنكارها.
يقول الكاتب عبد المجيد خلف، أحد المشاركين من المكون الكردي، لـ”963+” إن هذه الفعاليات “تتيح لكل مكوّن أن يعبّر عن ذاته الثقافية، وأن يشعر بوجوده ضمن لوحة أوسع من التنوع، حيث يجد الجميع مكاناً لهم”.
ويضيف أن “التراث الشعبي لا يقتصر على الماضي، بل هو جزء من الهوية اليومية التي تجمع أبناء المنطقة على قيم المحبة والتعاون”.
من جانبه، يرى عماد تتريان، المستشار العام للمجالس الأرمنية في شمال وشرق سوريا، أن المهرجان يشكّل “فرصة لإعادة الاعتبار للتعدد الثقافي في البلاد، بعد عقود من التهميش الثقافي”.
ويضيف لـ”963+”: “مشاركتنا اليوم تحمل معنى خاصاً، فهي استمرار لحياة أرمنية تعرضت للمحو في مراحل سابقة، وها نحن نعيد وصل ما انقطع من لغتنا وثقافتنا وموروثنا”.
اقرأ أيضاً: لمى ناظم مهنا لـ”963+”: الفن هو منقذنا من وحشية الواقع – 963+
إيقاعات الدبكة… لغة لا تحتاج ترجمة
تتابعت عروض الدبكات على المسرح الترابي الصغير وسط التلة، فتعاقبت الفرق العربية والكردية والأرمنية، كلّ منها تقدم لوحتها الخاصة على أنغام الآلات التقليدية. كان الجمهور يصفّق للجميع بذات الحماس، في مشهدٍ بدا أقرب إلى حوارٍ موسيقي صامت بين الثقافات.
يقول صايل جاسم، عضو اللجنة التحضيرية للمهرجان، إن “الدبكة تمثل ذاكرة جمعية تعبّر عن الفرح والارتباط بالأرض، وكل خطوة فيها تحمل رمزية تتجاوز الانتماء القومي”.
ويضيف أن “الرقص الجماعي يوصل رسالة بسيطة: يمكن للأيدي أن تتشابك رغم اختلاف الإيقاع”.
المذاق والذاكرة
لم تقتصر المشاركة على الفنون فقط، بل امتدت إلى المطبخ الشعبي الذي مثّل بدوره مساحة أخرى للقاء. شاركت نساء من المكونات الثلاثة في إعداد أطباق تراثية تعبّر عن الموروث الغذائي لكل جماعة.
تقول مزكين كرباوي، المشرفة على ركن المأكولات، إن “المائدة جمعت أكلاتٍ منوعة مثل الكبة والبرغل والمحاشي الأرمنية”، مضيفة لـ”963+”: “كل طبق يحمل قصة وتاريخاً يعكس طريقة عيش الناس وتقاليدهم”.
وبين أركان المهرجان، عُرضت أدوات فخارية ونحاسية وأزياء مطرزة وأدوات زراعية قديمة، شكلت بدورها متحفاً صغيراً لذاكرة المنطقة. كل قطعة من المعروضات كانت تحكي عن زمنٍ كان فيه الناس يتشاركون الحياة اليومية دون أن تُفرّقهم الهويات أو الحدود.
اقرأ أيضاً: المطبخ الحلبي.. سفير الثقافة الحلبية إلى العالم – 963+
ثقافة تزرع التفاهم
واختُتمت الفعاليات بأجواء من الفرح، واحتشد الجمهور في ساحة المهرجان مرددين الأغاني القديمة. بالنسبة للكثيرين، لم يكن الختام سوى بداية لتقليد جديد يمكن أن يعاد سنوياً، ليصبح المهرجان رمزاً للتقارب بين المكونات لا مجرد حدث عابر.
ويرى مراقبون أن المهرجان يتجاوز طابعه الفني ليقدّم رسالة سياسية هادئة مفادها أن الاعتراف بالتنوع الثقافي يشكّل أساس أي مشروع وطني سوري جامع، بعد عقود من محاولات طمس الهويات المحلية.
وتوضح إحدى المنظمات أن “الهدف الأساسي ليس فقط عرض الفنون، بل خلق مساحة للحوار الثقافي من خلال الجمال والفن، لأن هذه اللغة أقرب إلى الناس من أي خطاب آخر”.
التراث كجسر للمستقبل
يخرج الزائر من المهرجان بانطباعٍ واضح: أن التراث لا يُقسّم الناس، بل يوحّدهم. فالموسيقى التي تنبع من الريف الكردي تجد صداها في الأغنية العربية، والرقص الأرمني يحمل الإيقاع ذاته للفرح السوري المشترك.
ربما لهذا السبب، كان كثيرون ينظرون إلى المهرجان على أنه أكثر من احتفال؛ إنه تجربة عيش مشترك تعبّر عن رغبة أبناء المنطقة في بناء مستقبل يقوم على التنوع لا الإقصاء، وعلى الثقافة لا على الخلافات.
وفي النهاية، يبقى المشهد الذي جمع الأيادي في رقصة واحدة رمزاً لما يمكن أن يكون عليه المجتمع السوري إذا التفت حوله كل مكوناته بروح التعاون والاحترام، فالثقافة – كما يردد منظمو المهرجان – “ليست ما يفرّقنا، بل ما يجعلنا نكمل بعضنا بعضاً”.










