في أحد أحياء دمشق القديمة، يختبئ مرسم صغير يشبه فسحةً من الحلم وسط ضجيج العالم. الجدران غارقة في الألوان، والوجوه المعلّقة عليها تبدو كأنها تتنفس من ذاكرةٍ غامضة؛ بعضها يبتسم في حنين، وبعضها يحدّق في العدم. رائحة الزيت والأكريليك تمتزج بنفَس الزمن، فيما يتسلل الضوء من النوافذ العالية ليرسم ظلالاً على لوحاتٍ لم تكتمل بعد. هناك، بين اللون والفراغ، تتكشّف ملامح عالَمٍ خاص تقيم فيه الفنانة التشكيلية لمى ناظم مهنا، التي ورثت عن والدها الأديب الراحل ناظم مهنا شغف الحكاية، لكنها اختارت أن ترويها عبر اللون لا الكلمة.
لمى، التي نشأت في بيتٍ تغمره الكتب والموسيقى والحوارات الطويلة عن الفن والفكر، تبدو اليوم واحدة من أبرز الأصوات التشكيلية السورية التي تمزج بين الشاعرية البصرية والذاكرة الإنسانية في أعمالها. لا ترسم لتوثّق ما تراه العين، بل لتفكك ما تراه الروح. في لوحاتها، الإنسان هو المركز الدائم، لكنه ليس ماثلاً بجسده، بل بحيرته، بصمته، بانكساراته الصغيرة التي تحوّلها الألوان إلى ضوء.
منذ بداياتها، اختارت لمى طريقاً صعباً ومختلفاً، إذ لم تنخرط في الصخب الفني السريع ولا في التكرار الأكاديمي، بل اشتغلت على بناء لغة بصرية خاصة تستند إلى التأمل الداخلي والخيال الحر. ترى أن الفن لا يُصنع في ورشة بل في عزلة، وأن اللوحة ليست مساحة لتزيين الجدران بل مساحة لطرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والمعنى.
في حديثها مع “963+”، تكشف لمى عن تأثير والدها في وعيها الجمالي، وعن طفولةٍ تشبّعت بالكتب والألوان، وعن الصمت كمرحلة من مراحل الخلق، وعن رؤيتها للمشهد التشكيلي السوري اليوم، حيث يواصل الفن مقاومته الخاصة رغم كل ما مرّ به البلد من وجعٍ وتحول.
اقرأ أيضاً: أحمد سعد وعلياء بسيوني.. هل تعود أزمة الانفصال من جديد؟ – 963+
البداية من الذاكرة… كيف أثّر والدكِ الأديب ناظم مهنا في وعيك الفني؟ وهل كانت الميول الأولى نحو الأدب أم الرسم؟
كان تأثير الوالد عميقاً في بناء الحس الجمالي والإنساني معاً. في بيئةٍ امتلأت بالكتب والقصص والموسيقى، وُلدت العلاقة الأولى مع الجمال باعتباره خلاصاً من قسوة العالم. كان يرى أن الفن هو منقذ الإنسان من وحشية الواقع، وأن الإبداع شكل من أشكال النجاة.
الطفولة كانت مزدوجة الاتجاه؛ القراءة والرسم كانا العالمين اللذين يتكاملان لا يتنازعان. في البيت، كانت المكتبة أشبه بشجرة العائلة، ولكل كتاب فيها رائحة خاصة، لكن الألوان كانت الأكثر قرباً للنفس. مراقبة الضوء ومزج الدرجات اللونية كانت متعة يومية، وكان الوالد يبتسم كلما انشغلت الطفلة بالألوان أكثر مما تنشغل بالكلمات، كأنه يدرك أن الطريق قد اختير دون إعلان.
كثيراً ما يُقال إن لوحاتك تشبه القصائد الصامتة. كيف تتجسد العلاقة بين الكلمة واللون في تجربتك؟
اللوحة بالنسبة للفنانة هي نص بصري، والنص هو لوحة مكتوبة. بين الاثنين خيط سرّي لا يُرى، لكنه محسوس. الكتابة تمنح التفكير عمقاً وتأملاً، بينما يمنح اللون الحياة نبضها الحسي.
في أعمالها الأخيرة، تسعى إلى الجمع بين الجانبين في مشروعٍ فني–أدبي جديد، يتمثل في كتاب يضم لوحاتٍ ترافقها نصوص قصيرة، حيث تحكي كل لوحة قصتها بلغة اللون، بينما يوازيها نص يفتح باباً آخر للتأمل. اللون في رؤيتها ليس مجرد مساحة جمالية أو توازن شكلي، بل هو لغة روحية قادرة على قول ما تعجز عنه الحروف.
فترات الصمت الإبداعي تُخيف كثيراً من الفنانين، كيف يتم التعامل معها؟
تُعد فترات الصمت جزءاً من العملية الإبداعية ذاتها، وليست انقطاعاً عنها. هي مساحة ضرورية لإعادة التوازن الداخلي وتصفية الذاكرة البصرية. لا تأتي الفكرة بالمطاردة أو بالإصرار، بل حين تُترك لتتخمر في السكون.
السكينة هي الشرط الأول للخلق، وغالباً ما تعود الشرارة الأولى بعد غياب طويل، عبر مشهدٍ عابر أو ذكرى قديمة أو حتى حلمٍ غامض. لذلك لا يُنظر إلى الصمت كفراغ بل كفترة نضج غير مرئية. في النهاية، الإبداع يشبه التنفس، لا يمكن فرضه، لكنه لا يتوقف أبداً.
اقرأ أيضاً: الحكواتي: ذاكرة الماضي وروح الحاضر – 963+
تحمل لوحاتك بُعداً فلسفياً وإنسانياً واضحاً… من أين تنبع هذه الرؤية العميقة للوجود؟
ينبع هذا العمق من مزيجٍ من القراءات والتجارب. منذ وقتٍ مبكر، كان الأدب الروسي رفيقاً دائماً، بما يحمله من أسئلة حول الإنسان والمصير والمعاناة. كما لعبت السينما دوراً ملهماً، بوصفها فناً بصرياً قادراً على الجمع بين الصورة والفكر.في لوحاتها، لا تبحث الفنانة عن الجمال المجرد، بل عن المعنى الإنساني وراء الجمال. الإنسان هو السؤال المركزي: كيف يقاوم؟ كيف ينهض؟ وكيف يحافظ على نقائه رغم الفوضى؟ أحياناً ترافق اللوحات نصوص فلسفية قصيرة، لكنها ليست تفسيراً للعمل، بل محاولة لالتقاط ما لا يُقال باللون وحده. الفن بالنسبة لها هو وسيلة لفهم الوجود لا لشرحه.
يرى كثيرون أن الفن انعزال عن الواقع، بينما تعتبرينه رسالة إنسانية. كيف تتجلى هذه الرسالة في تجربتك؟
الفن ليس ترفاً ولا هروباً من الواقع، بل فعل مقاومة ضوئية ضد العتمة. عبر التاريخ، كان اللون وسيلة الإنسان الأولى للتعبير عن ذاته، من رسومات الكهوف إلى جداريات المعابد. الفن يوثّق، وينير، ويذكّر بأن الجمال شكل من أشكال الوعي.الفنان، في رأيها، مسؤول عن رسالته تجاه الحقيقة، لأن العمل الفني قادر على تغيير نظرة إنسانٍ إلى العالم أكثر مما تفعل آلاف الكلمات. اللوحة الصادقة تُربك المتلقي وتوقظه من سباته الجمالي، فتجعله يرى نفسه في مرايا اللون. لهذا السبب ترى أن وظيفة الفن تتجاوز الإبهار إلى الإيقاظ.
المشهد التشكيلي السوري اليوم يشهد تحولات كثيرة، كيف تنظرين إليه؟
يعيش الفن التشكيلي السوري حالة نضج استثنائية رغم كل الصعوبات. التنوع في الاتجاهات والمدارس يمنح المشهد غنىً بصرياً نادراً، إذ بات لكل فنان بصمته الخاصة بعيداً عن التقليد أو التكرار.
لا يمكن تجاوز رموز الفن السوري مثل لؤي كيالي ومصطفى الحلاج وأحمد معلا، غير أن الجيل الجديد أضاف حساسيته الخاصة المستمدة من تجربة الحرب والانكسار والبحث عن الأمل. هؤلاء الفنانون الشباب حوّلوا الألم إلى طاقة إبداعية خلاقة، مما جعل اللوحة السورية اليوم أكثر صدقاً وجرأة في طرح الأسئلة. الفن في سوريا، رغم الجراح، ما زال يقاوم بالصورة حين تعجز اللغة.
ما الذي يحرك الرغبة في الخلق الفني؟ وما أبرز المشاريع القادمة؟
المحرّك الأول هو العزلة، إذ تشكّل شرطاً لصفاء الرؤية. لحظة الرسم بالنسبة للفنانة أشبه بطقسٍ تأمليّ، تتلاشى فيها الضوضاء الخارجية ويُسمع صوت اللون وحده. من تلك العزلة تولد الفكرة وتتحول إلى شكل.
أما الإلهام الحقيقي فيأتي من الطفولة، من تلك اللحظة الأولى حين أهدى الوالد علبة ألوان صغيرة فاستيقظت الدهشة التي لم تنطفئ منذ ذلك اليوم. كل لوحة هي محاولة لاستعادة ذلك الضوء الأول.
في المرحلة القادمة، تعمل لمى على معرض جديد مختلف في الشكل والمضمون، إضافة إلى مشروع فني–أدبي يجمع نصوصها القصيرة مع لوحاتها في تجربة تهدف إلى خلق حوار بين الكلمة والصورة، ليعيش المتلقي حالة وجدانية متكاملة.
وفي نهاية اللقاء، تتأمل لمى لوحاتها المعلّقة حولها وتقول بابتسامة هادئة: “الفن لم يكن يوماً ترفاً، إنه المنقذ الوحيد في هذاالعالم الصاخب، والذاكرة التي ترفض أن تموت”.










