تتصاعد وتيرة التوتر في الجنوب السوري بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقاء قواته في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً داخل الأراضي السورية، في وقت تتشابك فيه الحسابات الأمنية بالتحركات الديبلوماسية الإقليمية، وسط مساعٍ أميركية لإعادة رسم خريطة النفوذ في بلاد أنهكتها الحرب والتحولات السياسية منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي وتنصيب الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
ويرى محللون أن ما يحدث يتجاوز الردع الأمني إلى تكريس واقع جيوسياسي جديد قد يغيّر موازين القوى في المنطقة برمتها.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يجرّف غابة حراجية جنوبي غربي سوريا – 963+
التوغلات الإسرائيلية وترسيخ النفوذ الميداني
أكدت مصادر محلية لـ”963+” أن آليات عسكرية إسرائيلية شرعت في تجريف غابات حراجية بريف محافظة القنيطرة جنوبي غربي سوريا، حيث اقتلعت جرافات الجيش الإسرائيلي الأشجار في قرية جباتا الخشب وسوّت نحو عشرة هكتارات من الأراضي.
كما توغلت دوريات إسرائيلية على الطريق بين قرية الصمدانية الشرقية وبلدة خان أرنبة، وأقامت حاجزاً مؤقتًا لتفتيش السيارات والمدنيين.
ويرى المحلل السياسي وخبير الشؤون العربية طلعت طه، في تصريحات لـ”963+” أن هذه التحركات الميدانية “ليست مجرد توغلات أمنية، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى تثبيت وجود دائم في العمق السوري”، موضحاً أن “إسرائيل توغلت داخل الأراضي السورية منذ تولي الشرع الحكم في 12 ديسمبر، وسيطرت على جبل الشيخ وتقدمت إلى مسافة تقارب 50 كيلومتراً من دمشق، متجاوزة خطوط التماس ومهاجمة مواقع حيوية من بينها القصر الرئاسي، بالإضافة إلى استحواذها على المصدر الرئيسي للمياه في سوريا”.
ويضيف طه أن “هذا التقدم يعكس نية واضحة لفرض سيطرة كاملة على هضبة الجولان وعدم الانسحاب من الأراضي السورية في المدى القريب”، مشيراً إلى أن “تل أبيب تسعى لتأمين موقعها في مواجهة أي نفوذ إيراني أو روسي متبقٍ داخل سوريا، وربما تمهّد لتحالفات إقليمية جديدة ضمن إطار التفاهمات الأمنية التي تُعاد صياغتها في المنطقة”.
نتنياهو: حماية الدروز ونزع السلاح
في تصريحاته الأخيرة، شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن قواته “ستبقى في المناطق التي سيطرت عليها في الجنوب السوري ومحيط جبل الشيخ”، مؤكداً أن الهدف هو “الوصول إلى اتفاق مع النظام السوري بشأن تجريد جنوب غرب سوريا من السلاح وحماية الدروز”.وأضاف أن حكومته “لن تسمح بأي هجوم على الدروز”، مشيراً إلى أن “الوجود الإسرائيلي هناك يأتي لمنع التهديدات الأمنية”.
ويعلّق طه على هذه التصريحات معتبراً أنها “تخفي خلفها مشروعاً لإعادة ترسيم الحدود الجنوبية لسوريا”، موضحاً أن “إسرائيل تستخدم حماية الدروز كغطاء سياسي وعاطفي لتبرير وجودها العسكري وتوسيع نفوذها الميداني”.
ويحذر من أن “ما يجري هو محاولة لتكريس معادلة أمنية جديدة تُفرض من طرف واحد، خارج أي التزامات سابقة بهدنة أو تفاهم”.
دمشق ترفض الواقع المفروض وتؤكد سيادتها
في المقابل، كان قد انتقد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة السياسة الإسرائيلية، قائلاً إنها “تتناقض مع دعم المجتمع الدولي لسوريا وشعبها”، محذراً من أن استمرار التوغلات “يعرض المنطقة لصراعات لا أحد يعرف كيف يمكن أن تنتهي”.
أما وزير الخارجية السوري في السلطة الانتقالية أسعد الشيباني، فصرّح أن دمشق منفتحة على “اتفاقية أمنية تراعي هواجسها دون التفريط في شبر من أراضيها”، في إشارة إلى حوار غير مباشر بدأ مؤخراً مع أطراف إقليمية بوساطة أميركية.
وهنا يعلّق المحلل السياسي حسام طالب، في تصريحات لـ”963+” بأن “سوريا تتمسك بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي الكامل مع الحفاظ على حقوقها المشروعة، ضمن الالتزام باتفاقية الهدنة لعام 1974″، مشيرًا إلى أن “إسرائيل تماطل وتراوغ لعرقلة أي اتفاق يفضي إلى انسحابها”.ويوضح طالب أن “الاتفاق الأمني المقترح بين سوريا وإسرائيل هو في جوهره رغبة أمريكية ودولية لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وسوريا لا تمانع به إذا تضمن انسحاب إسرائيل إلى ما قبل الثامن من ديسمبر 2024 وضمان حقوقها السيادية”.
اقرأ أيضاً: باراك: سوريا تمثل اختباراً لصمود النظام الإقليمي ويجب إلغاء “قانون قيصر” – 963+
التحركات الأميركية
وفي تطور لافت، أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك أن بلاده ترى في سوريا “اختباراً حقيقياً للنظام الإقليمي الجديد”، مشيراً إلى أن “رياح المصالحة التي بدأت في غزة يجب أن تمتد شمالاً إلى سوريا”.
وأشار باراك إلى أن مجلس الشيوخ الأميركي صوّت على إلغاء قانون قيصر، معتبراً أن “العقوبات خنقت أمة تسعى لإعادة الإعمار”، وأن الحكومة السورية الجديدة “انخرطت في مصالحة وانفتاح إقليمي مع السعودية وتركيا والإمارات ومصر وأوروبا، بل وحتى في مناقشات حدودية مع إسرائيل”.
وفي هذا السياق، يرى طلعت طه أن “التحرك الأميركي يتكامل مع التصعيد الإسرائيلي، في محاولة مزدوجة لترتيب خريطة النفوذ في سوريا على أساس جديد”، معتبراً أن “واشنطن تمنح تل أبيب غطاءً سياسياً للتحرك الميداني مقابل انخراط سوري تدريجي في ترتيبات أمنية تضمن مصالح الطرفين”.
أما حسام طالب فيشير إلى أن “إلغاء العقوبات وفتح قنوات الحوار قد يهيئ الأرضية لتفاهمات جديدة إذا تمت ضمن إطار عربي – أميركي – سوري واضح”، مضيفًا أن “دمشق ليست في موقع المتلقي بل الشريك الفاعل في أي تسوية، ولديها أوراق قوة في تحالفاتها الدولية وموقعها الاستراتيجي”.
السويداء… ورقة سياسية في صراع النفوذ
تزامن التصعيد الإسرائيلي مع أحداث متوترة في محافظة السويداء، حيث تتهم دمشق تل أبيب بمحاولة استغلال الوضع الداخلي لتمرير أهدافها السياسية.
وفي هذا الشأن يوضح حسام طالب أن “إسرائيل توظف أحداث السويداء سياسياً ضمن مخطط تم تصميمه إسرائيلياً وتنفيذه بأيدٍ داخلية لاختراق السيادة السورية”، مشيراً إلى أن “بعض الرموز المحلية ساهمت – دون وعي – في هذا التوظيف من خلال رفع الأعلام الإسرائيلية وشكر المسؤولين في تل أبيب، ما منح إسرائيل ذريعة للتوغلات والانتهاكات الأمنية داخل سوريا”.
ويضيف أن “الاتفاق الأمني إذا تم ضمن خطة عربية أو خارطة طريق أردنية – أميركية – سورية، يمكن أن يسهم في استعادة الثقة بين الدولة السورية وأهالي السويداء ويعزز الوحدة الوطنية”.
معادلة أمنية قيد التشكل
تتداخل الميدانيات بالسياسة في الجنوب السوري لتشكل لوحة معقدة من النفوذ والتفاهمات. فبينما تبرر إسرائيل وجودها العسكري بـ”حماية الدروز” و”نزع السلاح”، تصر دمشق على سيادتها الكاملة، فيما تحاول واشنطن هندسة تسوية تُنهي حالة العداء المفتوح.
ويحذر طه من أن “المرحلة المقبلة ستشهد تشدداً إسرائيلياً أكبر داخل العمق السوري مقارنة بما حدث سابقًا في الجنوب اللبناني”، بينما يرى طالب أن “نتنياهو يخوض مقامرة خطيرة في الجنوب السوري، إذ إن الفوضى التي تخلقها إسرائيل لن تؤدي إلا إلى تصاعد الإرهاب وعدم الاستقرار”، مؤكداً أن “استقرار سوريا هو مفتاح استقرار المنطقة بأسرها”.










