ثورات وحركات احتجاجية اندلعت في المنطقة العربية خلال العقود الماضية طالبت بالحرية والعدالة الاجتماعية والانتقال إلى نظام ديموقراطي بعيداً عن العسكرة والدكتاتورية، حيث استطاعت هذه الحركات الشعبية من إسقاط العديد من الأنظمة التي استمرت بالحكم لفترات طويلة امتدت لعشرات السنين لكنها في الوقت نفسه اصطدمت فيما بعد بما يعرف بـ “الدولة العميقة” وهي قوى وجماعات تعمل في الظل ذات نفوذ كبير تتحكم في القرارات الحاسمة من خلال ترسخها العميق داخل أجهزة الدولة المختلفة.
نماذج عديدة يمكن التحدث عنها حول فعالية ودور “الدولة العميقة” في إبقاء الهياكل الرئيسية للأنظمة وإعادة تأهيلها حتى إذا ما تعرضت لثورات شعبية ضدها وهو ما حدث بالفعل عقب اندلاع “ثورات الربيع العربي” إذ عمدت المؤسسة العسكرية والأمنية إلى احتواء التحول الديموقراطي وتوجيه المسار السياسي نحو إعادة إنتاج النظام القديم بصيغة أكثر تشدداً مع إحداث التغيير في الشخصيات فقط.
اقرأ أيضاً: الدولة العميقة.. المفهوم ومدى انتشارها حول العالم – 963+
وفي هذا السياق يتحدث الصحفي السوري عماد المصطفى لـ “963+” عن “أزمة حقيقية تعيشها دول المنطقة بشكل عام وبعبارة أدق الشعوب في هذه الدول نتيجة المواجهة المستمرة والمباشرة بين الدولة العميقة والتحول السياسي والديموقراطي الذي تقوده هذه الشعوب حيث تصطدم بقدرة هذه القوى الخفية على التحكم بالبلاد من خلال السيطرة على المؤسسات الأمنية والعسكرية واستخدام القضاء لشرعنة القمع السياسي وتوجيه الرأي العام والأخطر من كل ذلك قدرتها على إقامة تحالفات مع قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية محلية أو إقليمية أو دولية للمحافظة على الوضع القائم دون حدوث أي تغيير يذكر”.
ويُرجع المصطفى “عدم القدرة على قيادة تحول ديموقراطي ناجح من قبل شعوب المنطقة إلى عدة عوامل تضاف لما ذكر سابقاً أبرزها: ضعف المجتمع المدني وغياب ثقافة ديموقراطية متجذرة إلى جانب هشاشة الأحزاب السياسية أو غيابها بشكل كامل والتدخلات الخارجية. الأمر الذي يعود بالتأكيد إلى الأجواء الاستبدادية العامة التي تعيشها هذه الدول والهدف يرجع إلى بقاء واستمرار نفوذ “الدولة العميقة” حتى مع احتمالية تغيير الحكومات”.
ويؤكد الصحفي السوري أنه “من الضروري مع فشل بعض تجارب بناء دولة مدنية تشاركية إعادة التفكير بمدى القدرة على إقامة مؤسسات وطنية مستقلة تواجه قوى “الدولة العميقة” وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية ودعم مرحلة العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات يترافق كل ذلك مع فرض سيادة القانون وتقوية المجتمع المدني الذي سيكون أداة رئيسية في مراقبة السلطة”.
ومنذ منتصف القرن العشرين، خضعت معظم الدول العربية لأنظمة عسكرية وبيروقراطية فرضت نفسها على المشهد السياسي العام كما عمدت إلى تشكيل شبكة من العلاقات المعقدة وخلق مؤسسات غير مرئية لديها القدرة على اتخاذ القرارات الحساسة والمصيرية الداخلية والخارجية دون أي اعتبار لمبادئ الديموقراطية أو الشفافية.
ويقول الباحث في الشؤون السياسية فراس يحيى إن “الدولة العميقة منتشرة في الكثير من دول العالم لكنها في دول المنطقة تبدو أكثر ترابطاً وقوة حيث تتشابك المصالح بين قوى سياسية وعسكرية واقتصادية تعمل وراء الكواليس بالتالي فهي ترسم سياسات الدولة على كافة الأصعدة والنواحي بعيداً عن التشاركية مع المجتمع المدني والمواطنين”.
اقرأ أيضاً: هل من دولة عميقة في سوريا؟ – 963+
ويضيف يحيى في تصريحات لـ “963+”: “الدولة العميقة لا تقتصر على الأنظمة الاستبدادية بل يمكن أن تظهر في الأنظمة الديموقراطية عن طريق مجموعة من الشخصيات والمؤسسات التي تعمل بالخفاء لتوجيه السياسات العامة ثم تمتد على جميع المجالات من السياسة إلى الاقتصاد والمؤسسات الأمنية والإعلامية والخدمية وغيرها”.
ويشير إلى أن الهياكل الرئيسية للدولة العميقة في دول المنطقة مازالت موجودة وحضورها قوي للغاية من خلال رسم سياسات الدولة على الرغم من تغيير في تكتيكاتها ببعض الأحيان بحسب الظروف المحلية أو الإقليمية أو الدولية ويمكن إرجاع كل ذلك إلى دعم خارجي تتلقاه هذه القوى والجهات لكي تبقى قائمة ونفوذها كبير وهو ما بدى واضحاً وبشكل جلي لما حدث بعد إسقاط عدد من الأنظمة العربية وإعادة تأهيلها مجدداً من خلال استبدال شخصيات فقط مع الحفاظ على البنية الأساسية للدولة.










