في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم خلال العقود الأخيرة، برز مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’ كأحد أكثر المفاهيم المثيرة للجدل في النقاشات السياسية والأكاديمية والإعلامية، ومع توسع استخدامه في الخطابات الشعبوية في الحملات الانتخابية والبرامج الحوارية والمقالات السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي، برزت الحاجة إلى فهم دقيق لهذا المصطلح ومدى انتشاره حول العالم وآثاره على الحكم والديموقراطية.
الدولة العميقة
‘‘الدولة العميقة’’ أو بمعنى أبسط دولة خفية داخل دولة شرعية، مصطلح شائع لم يُستخدم على نطاق واسع إلاّ في السنوات الأخيرة، رغم أن جذوره تمتد إلى بنى سلطوية قديمة كانت تتحكم بمفاصل ومصير الدولة من وراء الستار بعيداً عن المسار الدستوري أو المساءلة الديموقراطية أو الإرادة الشعبية.
بشكل عام، تُعرّف ‘‘الدولة العميقة’’ بأنها شبكة غير معلنة من الأشخاص أو المؤسسات (عادة من داخل الجيش، الأمن، المخابرات، القضاء، أو حتى الاقتصاد والإعلام)، تعمل في الظل وتتجنب الظهور العلني أو الرسمي وتمارس نفوذاً فعليّاً داخل الدولة وتتحكم في بعض أو كل مفاصل صنع القرار خصوصاً في ملفات حساسة مثل الأمن والدفاع والسياسة الخارجية لحماية مصالحها الخاصة، وتبقى قوية ومؤثرة حتى عند تغير الحكومات بفضل تجذرها في مؤسسات الدولة.
والأمثلة على ذلك كثيرة، وربما تكون الولايات المتحدة أبرزها، خصوصاً أن الحكم فيها ينتقل أحياناً كله، في الرئاسة ومجلسي النواب والكونغرس من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديموقراطي، وبالعكس.
وتركيا مثال أيضاً، حيث ارتبط المصطلح بالجيش والاستخبارات في تسعينيات القرن الماضي.
اقرأ أيضاَ: سوريا: الدولة العميقة من جديد
الدولة العميقة: ظاهرة عالمية أم محصورة في دول بعينها؟
في تصريحات لـ”963+”، يرى الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي وأستاذ العلوم السياسية، الدكتور محمد الطماوي، المقيم في مصر، أن مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’ ليس محصوراً في دولة أو منطقة معينة، بل هو ظاهرة عالمية تظهر بدرجات متفاوتة.
ويتابع قائلاً: “في بعض الدول يأخذ المفهوم شكلاً مؤسسياً واضحاً من خلال هيمنة أجهزة معينة مثل الجيش أو الاستخبارات، بينما في دول أخرى يظل أقرب إلى خطاب سياسي أو نظري يُستخدم لتفسير الصعوبات التي تواجه الحكومات المنتخبة”.
ويضيف الطماوي، أن مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’ يرتبط بقوة في دول مثل دول الساحل الأفريقي حيث الجيش يملك نفوذاً مباشراً في السياسة، والمكسيك حيث شبكات الجريمة المنظمة تتغلغل في أجهزة الدولة، ودول في آسيا حيث يمتلك فيها أفراداً بعينهم سلطات اقتصادية وسياسية وعسكرية تتجاوز المؤسسات المنتخبة، وكذلك في الولايات المتحدة يُثار النقاش حول الدولة العميقة في سياق دور الأجهزة البيروقراطية والاستخباراتية في صنع القرار.
أما الباحث في العلاقات الدولية، الياس المر، يوضح لـ ‘‘+963’’، أن مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’ لم يعد حكراً على أدبيات الشرق الأوسط أو الأنظمة الهشة كما كان يُعتقد سابقاً، بل بات يتردد في الانتخابات الأميركية، والنقاشات التركية، وصراعات أمريكا اللاتينية، وصولاً إلى أوروبا الشرقية.
ويزيد المر قائلاً: ‘‘رغم أنّ المصطلح نشأ أساساً في تركيا في بدايات القرن العشرين، حيث كان يُستخدم للدلالة على تحالف أجهزة المخابرات والجيش والبيروقراطية في مواجهة التغيير السياسي، إلا أن الفكرة سرعان ما وجدت صدىً واسعاً حول العالم’’.
كما يوضح المر، أن مصطلح “الدولة العميقة” استُخدم أيضاً في الولايات المتحدة، خلال عهد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للدلالة على وجود جهاز بيروقراطي مقاوم لقراراته، ويضيف: ‘‘في باكستان ومصر، يُستخدم المفهوم بكثافة للدلالة على دور المؤسسة العسكرية في تشكيل السياسات، وفي أميركا اللاتينية، فغالباً ما يرتبط الحديث عن الدولة العميقة بالتحالف بين النخب الاقتصادية والأمنية’’.
ويقدم المر قائمة بترتيب الدول التي ارتبطت بمفهوم ‘‘الدولة العميقة’’، فيقول: ‘‘تركيا تأتي في الصدارة تاريخياً، تليها مصر وباكستان حيث الجيش لاعب مركزي في السياسة، الولايات المتحدة دخلت على خط المفهوم حديثاً، فيما تُعتبر بعض دول أميركا اللاتينية كالبرازيل والمكسيك ساحات خصبة لتطبيقه، أمّا في أوروبا الشرقية وروسيا، يتخذ المفهوم شكلاً مختلفاً، إذ يرتبط بشبكات الأمن والاستخبارات المرتبطة مباشرة بالقيادة العليا’’.
أسباب النشوء والآثار
وحول الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى نشوء ‘‘الدولة العميقة’’، يتفق الطماوي مع المر في أن الأسباب تتمثل في ضعف المؤسسات الديموقراطية وعدم قدرتها على ضبط التوازن بين السلطات، التدخل العسكري والأمني في الحياة السياسية تحت ذريعة حماية الأمن القومي، تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى غياب الشفافية والمساءلة، ما يؤدي إلى بناء شبكات نفوذ غير رسمية تعمل بالتوازي مع المؤسسات الرسمية.
ولا شك أن وجود ‘‘الدولة العميقة’’ داخل كيان الدولة لا يمر دون تبعات، بل يخلّف آثاراً على البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في هذا السياق يعقّب الطماوي قائلاً: ‘‘وجود الدولة العميقة يضعف ثقة المواطنين في الدولة، ويعرقل عمليات الإصلاح والتحول الديموقراطي، كما يؤدي إلى تركيز السلطة في أيدي مجموعات ضيقة’’.
أمّا على الصعيد الاقتصادي، فيرى الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور محمد الطماوي، أن مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’ يكرّس الفساد والمحسوبية، ويعطل خطط التنمية، ويجعل القرارات تخدم مصالح محدودة على حساب المصلحة العامة. أمّا المر فيرى أن وجود المفهوم يزرع شعوراً عاماً بالعجز عن التغيير، لأن “السلطة الحقيقية” تبدو بعيدة عن التداول الشعبي.
اقرأ أيضاً: “أميركا أولاً”.. ملامح سياسة “ترامب” الخارجية والعزلة الدولية
الدولة العميقة: توصيف واقعي أم جزء من خطاب تآمري؟
ويذهب المر في حديثه إلى أن هناك مقاربات تنقسم بين من يرى مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’ توصيفاً لواقع قائم، أي شبكات مصالح أمنية اقتصادية سياسية تتحكم في مسار الدول، وبين من يرى أن المصطلح غالباً ما يكون ذريعة لتبرير الفشل السياسي أو لحشد الجماهير ضد عدو وهمي، منوهاً إلى أن ‘‘التجربة الأميركية تُظهر هذا الالتباس بوضوح، حيث صار “الديب ستيت” شعاراً انتخابياً أكثر من كونه توصيفاً مؤسسياً’’.
ويبقى أن مفهوم ‘‘الدولة العميقة’’، سواء وُصف كحقيقة أو كخطاب تآمري، يكشف عن معضلة أعمق، وهي هشاشة العلاقة بين المؤسسات الرسمية وبين إرادة الشعوب، فالديمقراطية لا تُقاس فقط بالانتخابات، بل بمدى قدرة الناخب على التأثير في السياسات، وفق المر الذي يشدد على أن مواجهة ‘‘الدولة العميقة’’ لا تتم بالشعارات، بل بإصلاح البُنى السياسية نفسها.
في ذات الإطار يعقّب الطماوي قائلاً: ‘‘في بعض الدول يمكن النظر إلى الدولة العميقة كتوصيف واقعي لشبكات نفوذ واضحة مثل الجيش في باكستان أو الحرس الثوري في إيران، أمّا في حالات أخرى، خاصة في الأنظمة الديموقراطية الراسخة، قد يُستخدم المصطلح بشكل تآمري أو سياسي مبالغ فيه لتبرير الفشل أو إثارة المخاوف من قوى خفية’’.
ويختم أستاذ العلوم السياسية حديثه بأن مواجهة ‘‘الدولة العميقة’’ والقضاء على نفوذها لا يكون بالصدام المباشر وإنما ببناء مؤسسات قوية وشفافة، إصلاح البيروقراطية، تعزيز استقلال القضاء والإعلام، تقليص دور الأجهزة الأمنية والعسكرية في السياسة، وضع آليات رقابة فعّالة، توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار، وترسيخ الديموقراطية الحقيقية وربط جميع مراكز القوة بالمساءلة القانونية والشعبية.










